الحق في التظاهر السلمي في الجزائر والضوابط القانونية المنظمة

هل تفكر في تنظيم وقفة احتجاجية أو مسيرة سلمية للتعبير عن رأي معين في الجزائر؟ قد يبدو الأمر معقداً وسط تداخل القوانين والتساؤلات حول المسموح والممنوع. يعتبر الحق في التظاهر السلمي من الحقوق الأساسية التي كفلها الدستور، لكن ممارسته محاطة بإطار قانوني دقيق يهدف إلى الموازنة بين حرية التعبير وحماية النظام العام. فهم هذا الإطار ليس مجرد ثقافة قانونية، بل هو ضرورة لحماية نفسك وضمان مشروعية تحركك.
في هذا المقال التحليلي، سنغوص في أعماق القانون الجزائري لنقدم لك دليلاً شاملاً ومفصلاً حول كيفية ممارسة حقك في التظاهر السلمي، خطوة بخطوة، مع ذكر كل الشروط، الوثائق المطلوبة، والعقوبات المحتملة في حالة مخالفة الإجراءات المعمول بها.
الإطار القانوني لحق التظاهر السلمي في الجزائر
ينبني الحق في التظاهر السلمي في الجزائر على أساس هرمي من النصوص القانونية، تبدأ من أسمى قانون في البلاد وصولاً إلى النصوص التنظيمية التي تشرح كيفية تطبيقه.
الدستور الجزائري: الضمانة الأسمى
يعتبر الدستور الجزائري، وتحديداً في تعديله لسنة 2020، هو المرجعية العليا التي تكرس هذا الحق. تنص المادة 52 من الدستور صراحة على أن: “حرية التظاهر السلمي مضمونة للمواطن وتمارس في إطار القانون”. هذه المادة لا تمنح الحق فقط، بل تؤكد على طبيعته “السلمية” وتضع شرطاً أساسياً لممارسته وهو “في إطار القانون”، ما يحيلنا إلى النص التشريعي المنظم.
القانون رقم 91-19: حجر الزاوية في تنظيم المظاهرات
النص التشريعي الأساسي الذي يفصل شروط وإجراءات ممارسة هذا الحق هو القانون رقم 91-19 المؤرخ في 2 ديسمبر 1991، المعدل والمتمم للقانون رقم 89-28 المؤرخ في 31 ديسمبر 1989 المتعلق بالاجتماعات والمظاهرات العمومية. هذا القانون هو الخارطة التي يجب على كل من يرغب في تنظيم مظاهرة أن يتبعها بدقة.
من أهم المبادئ التي أتى بها هذا القانون هو اعتماده لنظام “التصريح” (Déclaration) وليس نظام “الترخيص” (Autorisation). هذا فرق جوهري، فمن حيث المبدأ، لا تطلب الإدارة “إذناً” لتنظيم مظاهرة، بل يتم “إعلامها” بتنظيمها عبر تصريح. ويكون للإدارة الحق في الرفض أو المنع لأسباب محددة قانوناً، وهو ما سنفصله لاحقاً.
الفرق الجوهري: الاجتماع العمومي والمظاهرة العمومية
يقع الكثير من الناس في خطأ الخلط بين مفهومين أساسيين ينظمهما القانون 91-19، وهما “الاجتماع العمومي” و “المظاهرة العمومية”. فهم الفرق بينهما أساسي لمعرفة الإجراء الصحيح الواجب اتباعه. يقدم موقع akhbardz هذا التوضيح لقرائه.
| الميزة | الاجتماع العمومي | المظاهرة العمومية |
|---|---|---|
| المكان | يكون في مكان مغلق ومغطى (قاعة، خيمة…). | تكون في الطريق العام (مسيرة، موكب، استعراض…). |
| الحركة | اجتماع ثابت للمشاركين في مكان واحد. | مجموعة من الأشخاص في حركة وسير على الطريق العام. |
| الإجراء المطلوب | تصريح لدى البلدية أو الولاية قبل 3 أيام كاملة على الأقل. | تصريح لدى البلدية أو الولاية قبل 3 أيام كاملة على الأقل. |
| المسؤولية | يكون هناك مكتب مسؤول عن حفظ النظام داخل مكان الاجتماع. | المنظمون مسؤولون عن المسار السلمي للمظاهرة. |
يركز هذا المقال بشكل أساسي على “المظاهرة العمومية” كونها الشكل الأكثر شيوعاً للتعبير عن الرأي في الفضاء العام.
شروط وإجراءات تنظيم مظاهرة سلمية: دليل تفصيلي
لتنظيم مظاهرة تتوافق مع القانون، يجب اتباع مسار إداري دقيق. أي إخلال بهذه الإجراءات قد يعرض المنظمين للمساءلة القانونية.
الخطوة الأولى: من يحق له تنظيم المظاهرة؟
حدد القانون شروطاً في الأشخاص الذين يقومون بالتصريح بالمظاهرة. حسب المادة 8 من القانون 91-19، يجب على المصرحين (المنظمين) أن يكونوا ثلاثة (3) أشخاص على الأقل، ويجب أن يستوفوا الشروط التالية:
- أن يكونوا جزائريي الجنسية.
- أن يكونوا متمتعين بحقوقهم المدنية والوطنية.
- أن يكونوا مقيمين في الولاية التي ستجرى فيها المظاهرة.
الخطوة الثانية: إعداد ملف التصريح (الوثائق المطلوبة)
التصريح ليس مجرد ورقة، بل هو ملف إداري متكامل يجب أن يحتوي على جميع المعلومات التي تتيح للسلطة الإدارية تقييم أبعاد المظاهرة. يجب أن يكون التصريح مكتوباً وموقعاً من طرف المنظمين الثلاثة، ويتضمن إجبارياً البيانات التالية:
- هوية المنظمين: الأسماء الكاملة، تاريخ ومكان الميلاد، المهنة، وعناوين السكن لجميع المنظمين.
- موضوع المظاهرة: تحديد الغرض من تنظيمها بوضوح (مثال: المطالبة بتحسين ظروف العمل، التنديد بقرار معين…).
- المكان والزمان: تحديد مكان التجمع، تاريخ وساعة الانطلاق، والمدة الزمنية المتوقعة للمظاهرة.
- المسار (Itinerary): وصف دقيق للمسلك الذي ستتبعه المسيرة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوصول.
- توقيعات المنظمين: يجب أن يكون التصريح موقعاً من طرف المنظمين الثلاثة على الأقل.
الخطوة الثالثة: إيداع التصريح والآجال القانونية
بعد تجهيز الملف، تأتي مرحلة الإيداع التي تخضع لآجال صارمة.
- الجهة المختصة: يتم إيداع التصريح لدى:
- رئيس المجلس الشعبي البلدي: إذا كانت المظاهرة ستجرى في إقليم بلدية واحدة فقط.
- الوالي المختص إقليمياً: إذا كانت المظاهرة ستعبر إقليم بلديتين أو أكثر، أو إقليم ولاية بأكملها.
- الأجل القانوني: يجب إيداع التصريح قبل موعد المظاهرة بـ 3 أيام كاملة على الأقل. “الأيام الكاملة” (Jours Francs) مصطلح قانوني يعني أن يوم الإيداع ويوم المظاهرة لا يتم احتسابهما في الأجل. مثال: إذا أردت تنظيم مظاهرة يوم الجمعة، فيجب إيداع التصريح كآخر أجل يوم الإثنين.
- وصل الإيداع: عند إيداع التصريح، يتوجب على السلطة الإدارية (البلدية أو الولاية) أن تسلم للمصرحين وصلاً بذلك في الحال. هذا الوصل هو الإثبات القانوني الوحيد على قيامك بالإجراء في وقته.
دور الإدارة وصلاحياتها: بين القبول والرفض
بعد استلام التصريح، تقوم السلطة الإدارية المختصة (الوالي أو رئيس البلدية) بدراسته. القانون يمنحها صلاحية منع المظاهرة ولكن في حالات محددة على سبيل الحصر.
وفقاً لـ المادة 12 من القانون 91-19، يمكن للسلطة منع المظاهرة “إذا كان من شأنها الإخلال الجسيم بالنظام العام”. هذا يعني أن المنع يجب أن يكون مبنياً على خطر حقيقي وجدي على الأمن العام، وليس على مجرد تخمينات.
قرار المنع يجب أن يكون:
- مكتوباً: لا يعتد بالرفض الشفهي.
- مبرراً: يجب أن يوضح أسباب المنع المتعلقة بخطر الإخلال بالنظام العام.
- مبلغاً به: يجب إبلاغ المنظمين بالقرار قبل 24 ساعة على الأقل من الموعد المحدد للمظاهرة.
في حالة صدور قرار بالمنع، يمكن للمنظمين الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية المختصة وفقاً لإجراءات الاستعجال. للمزيد من التحليلات القانونية ومتابعة آخر المستجدات، يمكنكم زيارة موقع أخبار دزاد.
العقوبات المترتبة على مخالفة القانون (قانون العقوبات)
إن تنظيم مظاهرة دون احترام الإجراءات المذكورة يعرض أصحابها لعقوبات منصوص عليها في قانون العقوبات الجزائري، وتحديداً تحت وصف “التجمهر”.
التظاهر بدون تصريح (التجمهر غير المسلح)
يعالج الأمر رقم 66-156 المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم، هذه الحالة. من المهم فهم أن العقوبة لا تطال مجرد التجمع، بل “التجمهر” الذي يحمل نية الإخلال بالهدوء العام والذي يستمر بعد إنذار السلطات.
- المادة 97: تعرف التجمهر بأنه كل تجمع مشكل في الطريق العام أو مكان عمومي من شأنه الإخلال بالهدوء العام.
- المادة 98: تنص على أنه إذا لم يتفرق التجمهر غير المسلح بعد إنذار من ضابط الشرطة القضائية أو ممثل السلطة، يعاقب المشاركون فيه بالحبس من شهرين إلى سنة.
- المادة 100: تشدد العقوبة على من ينظم مظاهرة غير مصرح بها أو منعت، حيث تصل العقوبة إلى الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات.
الخلاصة هي أن العنصر الأساسي لتجريم التجمع هو “رفض التفرق بعد الإنذار الرسمي”.
التحريض على التجمهر
يعاقب قانون العقوبات أيضاً على “التحريض”، أي دعوة الناس إلى المشاركة في تجمهر غير مسلح، سواء عبر الخطب أو الكتابات أو أي وسيلة أخرى، بعقوبات قد تصل إلى الحبس سنة وغرامة مالية.
أسئلة شائعة حول حق التظاهر في الجزائر (FAQ)
هذه بعض الأسئلة الواقعية التي يطرحها المواطنون حول هذا الموضوع مع إجابات قانونية دقيقة.
س1: هل أحتاج إلى “رخصة” من الوالي لتنظيم مسيرة؟
ج: لا، القانون الجزائري يعتمد نظام “التصريح” وليس “الرخصة”. أنت تقوم بإعلام السلطة بنية تنظيم المظاهرة عبر ملف تصريح، ولا تطلب منها الإذن. يمكن للسلطة أن تمنع المظاهرة لأسباب جدية تتعلق بالنظام العام، لكن الأصل هو الحق في التظاهر.
س2: ماذا أفعل إذا رفض الموظف في البلدية أو الولاية استلام ملف التصريح الخاص بي؟
ج: هذا يعتبر تعسفاً إدارياً. الحل القانوني الفوري هو اللجوء إلى محضر قضائي لإثبات واقعة توجهك للإدارة ورفضها استلام الملف. محضر إثبات الحالة هذا يصبح وثيقتك الرسمية التي تثبت أنك قمت بالإجراء ضمن الآجال القانونية.
س3: هل يمكن تنظيم مظاهرة أمام مؤسسة سيادية (وزارة، رئاسة، ولاية)؟
ج: نعم، من حيث المبدأ. القانون لا يمنع ذلك. المنظمون هم من يقترحون مسار المظاهرة في التصريح. لكن، للسلطة الإدارية الحق في تعديل المسار المقترح إذا رأت أنه قد يعرقل السير العادي للمرافق العامة الحيوية أو يشكل خطراً أمنياً. أي تعديل للمسار يجب أن يكون مبرراً.
س4: هل يمكن للأجانب المقيمين في الجزائر تنظيم أو المشاركة في مظاهرة؟
ج: القانون 91-19 واضح في المادة 8، حيث يشترط في “المنظمين” أن يكونوا جزائريي الجنسية ومتمتعين بحقوقهم المدنية والوطنية. أما بخصوص “المشاركة”، فالنص لم يتطرق لها صراحة، لكن ممارسة الحقوق السياسية غالباً ما تكون مرتبطة بالمواطنة. من الأسلم اعتبار أن هذا الحق موجه في أساسه للمواطنين الجزائريين.
س5: ما هو الفرق الدقيق بين “التظاهر” و “التجمهر” في نظر القانون؟
ج: “التظاهر” في إطاره القانوني (بعد التصريح وقبول الإدارة) هو ممارسة لحق دستوري. أما “التجمهر” فهو وصف جرمي يطلقه قانون العقوبات على كل تجمع في الطريق العام، غير مصرح به أو تم منعه، ومن شأنه الإخلال بالهدوء العام، وخاصة إذا رفض المشاركون فيه التفرق بعد إنذار رسمي من السلطات. أي أن التجمع السلمي العفوي لا يصبح “تجمهراً” معاقباً عليه إلا بتوفر هذه الشروط مجتمعة.
الخاتمة
إن الحق في التظاهر السلمي في الجزائر هو حق دستوري أصيل، لكنه ليس حقاً مطلقاً. لقد وضع المشرع إطاراً إجرائياً دقيقاً يهدف إلى تحقيق توازن صعب بين حرية التعبير ومتطلبات حفظ النظام العام. إن معرفة هذا الإطار، من شروط التصريح إلى آجاله ومحتواه، مروراً بفهم صلاحيات الإدارة والعقوبات المحتملة، هو السلاح الأقوى لضمان ممارسة هذا الحق بشكل فعال وآمن، بعيداً عن أي تعسف أو مساءلة قانونية.
المصادر والمراجع
- دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لسنة 2020 (لا سيما المادة 52).
- القانون رقم 91-19 المؤرخ في 2 ديسمبر 1991، المعدل والمتمم للقانون رقم 89-28 المؤرخ في 31 ديسمبر 1989 المتعلق بالاجتماعات والمظاهرات العمومية.
- الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم (لا سيما المواد 97 وما بعدها).
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.




