كيفية صلاة الاستخارة ودعائها بالتفصيل وما يجب فعله بعدها

في خضم تسارع الحياة وكثرة الخيارات التي تواجه المسلم المعاصر، من قرارات مصيرية كالزواج والعمل، إلى أمور قد تبدو أبسط كالسفر أو شراء سيارة، يجد القلب نفسه في حيرة واضطراب. لقد ورثنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم كنزًا عظيمًا لمواجهة هذا التردد، وهو “صلاة الاستخارة”، التي تمثل التجلي العملي للتوكل على الله وتفويض الأمر إليه. لكن للأسف، شاب فهم هذه الشعيرة العظيمة الكثير من المفاهيم الخاطئة، وتحولت في أذهان البعض من عبادة لطلب الهداية إلى طقس لانتظار رؤيا منامية أو علامة خارقة، مما أفقدها مقاصدها التربوية والإيمانية العميقة.
ما هي صلاة الاستخارة؟ التعريف الشرعي والمفهوم العميق
لفهم صلاة الاستخارة على وجهها الصحيح، لا بد من تفكيك معناها لغةً واصطلاحًا، وتمييزها عن التصورات الشائعة التي لا أصل لها.
1. المعنى اللغوي
الاستخارة مصدر من الفعل “استخار”، وهو على وزن “استفعال” الذي يفيد الطلب. فقولك “استخرت الله” يعني: “طلبت من الله الخِيَرَة”، أي طلبت منه سبحانه أن يختار لي أفضل الأمرين وأصلحهما لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري.
2. المعنى الاصطلاحي
هي صلاة نافلة محددة (ركعتان من غير الفريضة)، يعقبها دعاء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، يلجأ من خلالها العبد إلى ربه، مفوضًا إليه أمره، وسائلًا إياه بعلمه وقدرته أن يهديه إلى ما فيه الخير له، وأن يصرف عنه ما فيه شر، ثم يرضيه بقضائه.
3. الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع
المفهوم الصحيح للاستخارة هو أنها عبادة تفويض واستشارة للخالق، وليست وسيلة لكشف الغيب. نتيجتها ليست بالضرورة رؤيا في المنام (حلم)، بل هي انشراح الصدر للمضي في الأمر، أو انقباضه عنه، أو تيسير أسباب الخير، أو تعسير أسباب الشر. أما التصور الشائع الذي يربطها حصراً بالمنامات، فهو مفهوم خاطئ لم يثبت بدليل صحيح، وقد يؤدي إلى تعطيل مصالح الإنسان بناءً على أضغاث أحلام.
الأصل الشرعي: أدلة صلاة الاستخارة من السنة النبوية
إن مشروعية صلاة الاستخارة ثابتة بالسنة النبوية الصحيحة، وهي من السنن التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على تعليمها لأصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن، مما يدل على عظيم شأنها.
الدليل الأبرز هو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
“كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ – وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ – خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي – أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ – فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي – أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ – فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ”.
(رواه البخاري وغيره) – يمكنك مراجعة نص الحديث وتخريجه على موقع الدرر السنية.
هذا الحديث هو الأصل في الباب، وهو واضح الدلالة على الكيفية والدعاء المخصوص.
فهم العلماء ومقاصد الاستخارة
أجمع العلماء على أن صلاة الاستخارة سنة مستحبة. قال الإمام النووي رحمه الله: “فيه استحباب الاستخارة لكل من هم بأمر يريد فعله، سواء كان ذلك الأمر كبيراً أم صغيراً”.
وقد بيّن العلماء أن حكمة الاستخارة تكمن في تحقيق أمرين عظيمين:
- الاستشارة: استشارة أهل الخبرة والعقل في أمور الدنيا (وهو ما يُعرف بـ “الاستشارة”).
- الاستخارة: استشارة الخالق سبحانه وتعالى في تيسير الأمر من عدمه (وهو “الاستخارة”).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وثبت في أمره”. وهذا يوضح المنهج المتكامل للمسلم في اتخاذ قراراته: يجمع بين الأخذ بالأسباب المادية (الاستشارة) والتوكل القلبي على الله (الاستخارة).
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
اجعل الاستخارة عادة في حياتك، لا مجرد حل للمشاكل الكبرى. استخر في الأمور الصغيرة قبل الكبيرة، فهذا يربي في قلبك التعلق الدائم بالله والافتقار إليه في كل شأن، ويجعل التوكل سلوكًا عمليًا لا مجرد شعور عابر.
كيفية صلاة الاستخارة ودعائها خطوة بخطوة
التطبيق العملي لصلاة الاستخارة بسيط وميسر، ويتم عبر الخطوات التالية:
- الوضوء: تتوضأ وضوءك للصلاة.
- النية: تنوي بقلبك أداء صلاة الاستخارة، والنية محلها القلب ولا يُتلفظ بها.
- الصلاة: تصلي ركعتين نافلة (من غير الفريضة). يُستحب أن تقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة (الكافرون)، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة سورة (الإخلاص).
- الدعاء: بعد التسليم من الصلاة، ترفع يديك وتثني على الله وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تقرأ دعاء الاستخارة المأثور كاملاً بخشوع وتدبر.
- تسمية الحاجة: عند وصولك إلى عبارة “اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر…”، تسمي حاجتك بوضوح. مثلاً: “…أن سفري إلى البلد الفلاني خير لي…” أو “…أن زواجي من فلانة بنت فلان خير لي…”.
- التوكل والمضي: بعد الدعاء، تمضي في الأمر الذي استخرت من أجله، متوكلاً على الله، ولا تنتظر رؤيا أو علامة. فإن كان خيرًا يسره الله لك، وإن كان شرًا صرفه الله عنك.
ماذا أفعل بعد صلاة الاستخارة؟ علامات الإجابة
هذا هو السؤال الأهم الذي يحيّر الكثيرين. الجواب ليس في المنامات، بل في الواقع. علامات القبول والإجابة تكون بأحد أمرين:
- التيسير والمضي: تجد أن أبواب الأمر الذي استخرت له تُفتح، والعقبات تُذلل، وتشعر بانشراح صدر وطمأنينة للمضي فيه. هذه هي علامة أن الأمر خير.
- التعسير والانصراف: تجد أن الأبواب تُغلق في وجهك، وتظهر عقبات لم تكن في الحسبان، وتشعر بانقباض في الصدر أو عدم ارتياح للمضي في الأمر. هذه هي علامة أن الله يصرفك عنه لأنه شر لك.
سؤال وجواب (تصحيح مفهوم)
السؤال: هل يجب أن أرى حلمًا أو رؤيا بعد صلاة الاستخارة لكي أعرف النتيجة؟
الجواب: قطعًا لا. هذا من أشهر المفاهيم الخاطئة. الرؤيا قد تحدث وقد لا تحدث، وليست هي المقياس. المقياس الحقيقي هو تيسير الله للأمر أو صرفه عنك في الواقع، مع ما يتبع ذلك من راحة نفسية ورضا بقضاء الله.
أخطاء شائعة يجب تجنبها في الاستخارة
- الاستخارة في المحرمات أو الواجبات: لا يُستخار في ترك صلاة أو فعل معصية، فهذه أمور محسومة شرعًا.
- تعليق القرار على المنام فقط: وهذا يؤدي إلى تعطيل الحياة وانتظار المجهول.
- إهمال الاستشارة والأخذ بالأسباب: الاستخارة لا تلغي أهمية التفكير والتخطيط واستشارة أهل الخبرة.
- الاستخارة بعد العزم الجازم: السنة أن تكون الاستخارة عند “الهمّ” بالأمر، أي عند التردد وقبل اتخاذ القرار النهائي.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
1. هل يمكن أداء دعاء الاستخارة بدون صلاة؟
الأكمل والأفضل هو أداء الصلاة مع الدعاء كما ورد في الحديث. ولكن لو وُجد مانع شرعي (كالحيض للمرأة) أو ضاق الوقت، أجاز بعض العلماء قراءة الدعاء دون صلاة، فالأمر واسع.
2. متى يُقرأ الدعاء؟ قبل التسليم أم بعده؟
الجمهور على أن الدعاء يكون بعد التسليم من الصلاة، وهو ظاهر الحديث. وذهب بعض أهل العلم إلى جوازه قبل التسليم بعد التشهد الأخير، وكلا الأمرين جائز.
3. هل يجوز تكرار صلاة الاستخارة لنفس الأمر؟
نعم، إذا لم يتبين لك شيء وبقيت الحيرة، يجوز تكرارها. فالدعاء عبادة، وتكراره إلحاح على الله وهو أمر محمود.
4. هل يمكن لشخص أن يستخير عن شخص آخر؟
الأصل أن يستخير الإنسان لنفسه، لأن الدعاء مرتبط بحاجة الشخص وهمّه. ولم يثبت دليل على مشروعية الاستخارة للغير. والأولى أن يدعو الإنسان لأخيه بالتوفيق والهداية.
5. استخرت وشعرت بانقباض ولكن مضيت في الأمر، فما الحكم؟
إذا مضيت في الأمر رغم شعورك بعدم الارتياح، فقد خالفت حكمة الاستخارة، ولكن لا إثم عليك. عليك أن ترضى بما قدره الله وتتعلم من التجربة. الاستخارة ليست إلزامية النتيجة، بل هي طلب هداية.
6. هل هناك سور محددة تُقرأ في صلاة الاستخارة؟
لم يثبت في حديث صحيح سور محددة، ولكن استحب بعض العلماء قراءة (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) لورود ذلك في عموم نوافل أخرى ولما فيهما من معاني الإخلاص والتوحيد.
خاتمة: الاستخارة مفتاح الطمأنينة
في نهاية المطاف، صلاة الاستخارة ليست مجرد صلاة ودعاء، بل هي منهج حياة يعلم المسلم أن يسلم أمره كله لله. هي الدرس العملي في التوكل الذي يحرر النفس من قلق المستقبل ومن ندم الماضي. فمن استخار الله بصدق، وعمل بالأسباب، ورضي بالنتيجة، فقد حاز على الطمأنينة في الدنيا والآخرة، مهما كانت نتيجة اختياره.
لمعرفة المزيد عن أمور دينك ودنياك، ندعوك لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد، حيث تجد مقالات معمقة وموثوقة. وإن كنت مهتمًا، يمكنك متابعة الشؤون الدينية في الجزائر من خلال تغطيتنا المستمرة.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




