كيفية إخراج الصدقة الجارية و استمرار أجرها للمتوفى في الجزائر

في خضم تسارع الحياة وضغوطها، يظل الشوق إلى برّ الأحباء الذين رحلوا عنا هاجسًا يسكن قلوب المؤمنين، رغبةً في أن يمتد وصلهم بهم وألا ينقطع أثرهم من الدنيا. ومن أعظم أبواب هذا البرّ وأكثرها ديمومةً هو مفهوم “الصدقة الجارية”، ذلك النهر المتدفق من الحسنات الذي لا يجف بموت صاحبه. لكن على الرغم من شيوع المصطلح، يكتنفه الكثير من الفهم السطحي أو التطبيق المحدود، مما يفوّت على الكثيرين فرصة عظيمة لإنارة قبور موتاهم وتحقيق مقاصد الشريعة في التنمية المستدامة والنفع العام. هذا الدليل الشامل يهدف إلى تأصيل المفهوم شرعيًا، وتقديم خارطة طريق عملية لكيفية إخراج الصدقة الجارية في الجزائر بما يضمن استمرار أجرها للمتوفى بإذن الله.
الصدقة الجارية: المفهوم الشرعي والأصل اللغوي
لفهم أي مصطلح شرعي فهمًا عميقًا، لا بد من تفكيكه لغويًا واصطلاحيًا للوقوف على حقيقته وجوهره.
المعنى اللغوي
تتكون عبارة “الصدقة الجارية” من كلمتين:
- الصدقة: مشتقة من مادة (صَدَقَ)، وتدل على القوة والكمال. وسُمّيت الصدقة بذلك لأنها دليل على صدق إيمان صاحبها ويقينه بما عند الله من الأجر والثواب.
- الجارية: اسم فاعل من الفعل (جَرَى)، بمعنى استمر وتدفق ولم ينقطع، كالنهر الجاري.
فالمعنى اللغوي المباشر هو العطاء الصادق الذي يستمر نفعه ويتدفق خيره.
المعنى الاصطلاحي
في اصطلاح الفقهاء، الصدقة الجارية هي نوع من أنواع “الوقف”، وهو: “تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة”. بمعنى أن يُخرج الإنسان مالاً في أصل ثابت باقي (مثل بناء، أو أرض، أو بئر)، ويجعل منفعته (ثمار الأرض، إيجار البناء، ماء البئر) مستمرة في وجوه الخير، بحيث يبقى الأصل ولا يُستهلك، بينما يتجدد نفعه وثوابه باستمرار.
الفرق بين المفهوم الصحيح والتصور الشائع
التصور الشائع يحصر الصدقة الجارية في ثلاثة أمور غالبًا: حفر بئر، بناء مسجد، أو توزيع مصاحف. ورغم أن هذه من أعظم الصدقات الجارية، إلا أن المفهوم أوسع وأشمل. فكل عمل خيري يستمر أثره ونفعه بعد موت فاعله، ويبقى أصله، يدخل في هذا الباب العظيم، وهذا ما يفتح آفاقًا واسعة للإبداع في الخير.
الأصل في القرآن الكريم والسنة النبوية
لم يأتِ مفهوم الصدقة الجارية من فراغ، بل هو متجذر في نصوص الوحيين، القرآن والسنة، مما يمنحه قوة وقدسية.
أدلة من القرآن الكريم
أشار القرآن الكريم إلى مفهوم استمرارية الأثر بعد الموت في مواضع عدة، منها قوله تعالى:
“إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ” (يس: 12).
قال المفسرون كابن كثير والطبري: “وآثارهم” تشمل آثارهم الحسنة كالصدقات الجارية والعلم النافع، وآثارهم السيئة التي سنّوها وعمل بها الناس من بعدهم. فالآية دليل واضح على أن أثر الإنسان لا ينقطع بموته.
أدلة من السنة النبوية المطهرة
الدليل الأبرز والأكثر صراحة هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ” (رواه مسلم).
هذا الحديث أصلٌ في الباب، وهو يفتح للمسلم أبواب أمل لا تُغلق، ويبين أن الموت ليس نهاية مطافه العملي. وشرح العلماء، كالإمام النووي، أن الصدقة الجارية في الحديث محمولة على الوقف، لأن غيرها من الصدقات ينقطع أجرها بمجرد استهلاكها من قبل الفقير، أما الوقف فيستمر نفعه. للمزيد من الشرح المفصل للحديث يمكن مراجعة موسوعة شروح الحديث في موقع الدرر السنية.
كيف فهم العلماء والمذاهب الصدقة الجارية؟
أجمع علماء الأمة من السلف الصالح وفقهاء المذاهب الأربعة على مشروعية الوقف (الصدقة الجارية) وعظيم فضله. وقد توسعوا في بيان صوره وأحكامه، واتفقوا على أن المقصد الأعظم منه هو استمرار النفع العام للمسلمين وتحقيق التكافل الاجتماعي والتنمية المستدامة للمجتمع.
فالصدقة الجارية ليست مجرد عمل فردي لنفع الميت، بل هي مؤسسة إسلامية متكاملة تساهم في بناء الحضارة وتلبية احتياجات المجتمع المتغيرة على مر العصور، من توفير الماء والتعليم إلى الرعاية الصحية وغيرها.
سؤال وجواب (تصحيح مفهوم)
السؤال: هل إطعام الطعام عن الميت في ذكرى وفاته يعتبر صدقة جارية؟
الجواب: إطعام الطعام عمل خيري عظيم ويصل ثوابه للميت بإذن الله، لكنه ليس صدقة “جارية” بالمعنى الاصطلاحي. الصدقة الجارية تتطلب استمرار المنفعة من أصل ثابت. أما الإطعام فهو صدقة ينتهي نفعها بأكلها، وأجرها عظيم لكنه لحظي وليس مستمرًا. يمكن تحويله لجارية بإنشاء وقف لمطبخ خيري دائم أو التبرع لمثل هذه المشاريع.
التطبيق العملي في الجزائر: أفكار ونماذج للصدقة الجارية
يمكن لأهل المتوفى في الجزائر تحويل حزنهم إلى عمل بناء وأجر مستمر من خلال العديد من الأبواب التي تتناسب مع احتياجات المجتمع المحلي:
أمثلة واقعية ومبتكرة
- مشاريع المياه: لا تقتصر على حفر الآبار في المناطق النائية، بل تشمل بناء خزانات لتجميع مياه الأمطار، أو تركيب محطات لتحلية المياه في القرى الساحلية، أو توصيل شبكات المياه للمنازل المحرومة.
- الوقف التعليمي: كفالة طالب علم حتى يتخرج، تجهيز قاعة دراسية في مدرسة أو جامعة بسبورات ذكية وحواسيب، إنشاء مكتبة إلكترونية مجانية، أو المساهمة في طباعة ونشر الكتب الشرعية والعلمية النافعة.
- الوقف الصحي: شراء جهاز طبي مهم لمستشفى أو مركز صحي (جهاز غسيل كلى، حضّانة أطفال)، أو المساهمة في بناء غرفة عمليات، أو تجهيز سيارة إسعاف.
- الوقف الرقمي: دعم إنشاء تطبيق إسلامي تعليمي مجاني، أو تمويل قناة يوتيوب تقدم محتوى علميًا نافعًا، أو المساهمة في تطوير منصات لتعليم القرآن الكريم عن بعد.
- الوقف الزراعي والإنتاجي: شراء أشجار زيتون أو نخيل وغرسها في أرض وقفية يعود ريعها للفقراء، أو شراء آلة خياطة أو ورشة صغيرة لأرملة أو أسرة محتاجة لتكون مصدر رزق دائم لهم.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- غياب الاستدامة: تنفيذ مشروع دون التفكير في تكاليف صيانته وتشغيله المستقبلية، كحفر بئر دون توفير مضخة وصيانة دورية.
- الرياء والسمعة: يجب أن يكون العمل خالصًا لوجه الله، لا من أجل أن يُكتب اسم المتوفى على لافتة كبيرة. الإخلاص هو شرط القبول.
- عدم دراسة الحاجة: تنفيذ مشروع في مكان لا يحتاجه، كبناء مسجد في حي مليء بالمساجد، بينما يكون الحي بحاجة ماسة إلى مركز صحي أو مدرسة.
الآثار الإيمانية والسلوكية للصدقة الجارية
إن إحياء سنة الصدقة الجارية له آثار عظيمة تتجاوز مجرد وصول الأجر للميت، لتشمل الأحياء والمجتمع بأسره.
- على الفرد (الذي أخرج الصدقة): يشعر بالبر العملي تجاه من يحب، ويجد سلوى في مصابه، ويستشعر عظيم فضل الله الذي أبقى له بابًا مفتوحًا لنفع ميته.
- على المتوفى: هي نور في قبره، ورفعة في درجاته، وحسنات متجددة لا تتوقف.
- على المجتمع: تساهم في حل المشكلات، وتقوية أواصر التكافل، وتحقيق التنمية المستدامة، وتترك بصمة حضارية للأجيال القادمة.
نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية
قبل الشروع في أي صدقة جارية، اجعل همك الأول هو الأثر والنفع الحقيقي وليس حجم المشروع. قد يكون تجهيز كرسي متحرك لمعاق مدى الحياة أعظم أثرًا وأكثر استمرارية من مشروع ضخم لم يُحسن التخطيط له. ابحث عن الحاجة الحقيقية واستشر أهل الخبرة، واجعل نيتك خالصة لله.
أسئلة شائعة حول الصدقة الجارية للمتوفى
1. هل يمكن إخراج الصدقة الجارية عن شخص لا يزال على قيد الحياة؟
نعم، يجوز بل هو من أفضل الأعمال. يمكن للشخص أن يوقف شيئًا في حياته ويكون أجره له في حياته وبعد مماته.
2. هل يمكن لمجموعة من الأشخاص الاشتراك في صدقة جارية واحدة؟
نعم، يجوز ذلك وهو من باب التعاون على البر والتقوى. يمكن لعدة أشخاص (كالأبناء والإخوة) جمع مبلغ والمساهمة في مشروع واحد كبير، ولكل منهم أجر بنيته.
3. ما هو أفضل أنواع الصدقة الجارية؟
أفضلها هو الأنفع والأدوم والأشد حاجة. ما يكون حاجة ملحة في منطقة قد لا يكون كذلك في أخرى. لذا، الأفضلية نسبية وتُحدد بدراسة واقع المجتمع.
4. هل يشترط مبلغ معين للصدقة الجارية؟
لا، لا يوجد حد أدنى. يمكن المساهمة بسهم في وقف كبير، أو شراء مصحف واحد ووضعه في مسجد، أو غرس شجرة. العبرة بالنية والاستمرارية لا بحجم المبلغ.
5. كيف أضمن أن الصدقة تصل إلى مكانها الصحيح وتدار بشكل جيد؟
بالتعامل مع الجهات الموثوقة والمعروفة في الجزائر، كالجمعيات الخيرية المسجلة رسميًا والتي لها مشاريع قائمة وسمعة طيبة، أو من خلال لجان المساجد الموثوقة.
6. هل قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت تعتبر صدقة جارية؟
قراءة القرآن عمل صالح ويصل ثوابه للميت على قول كثير من أهل العلم، ولكنه ليس “صدقة جارية” لأنه عمل ينتهي بانتهاء القراءة، وليس أصلًا ثابتًا يتجدد نفعه.
الخاتمة: استثمار لا يخسر
إن الصدقة الجارية هي أذكى استثمار يمكن أن يقدمه الحي للميت، وهي جسر من النور يمتد بين عالم الأحياء وعالم الأموات. إنها تجسيد حي لمعنى البر والوفاء، وتطبيق عملي لمقاصد الشريعة في نفع الإنسان وبناء الأوطان. فلتكن هذه الكلمات دافعًا لنا جميعًا لإحياء هذه الشعيرة العظيمة، وترك أثر طيب لا يمحوه الزمان. وللتوسع في فهم هذه القضايا وغيرها من المواضيع الهامة، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد للحصول على محتوى ديني موثوق ومُحكَم.
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.




