القانون والإدارة

المسؤولية الجزائية في الصفقات العمومية في التشريع الجزائري

تعتبر الصفقات العمومية شريان الحياة للاقتصاد الوطني ومحركاً أساسياً للتنمية، لكنها في الوقت ذاته تمثل بيئة خصبة للممارسات غير القانونية. إذا كنت مسيراً لمؤسسة عمومية، أو صاحب شركة خاصة تتعامل مع القطاع العام، فإن فهم أبعاد المسؤولية الجزائية في الصفقات العمومية في التشريع الجزائري ليس مجرد ثقافة قانونية، بل هو ضرورة حتمية لحماية مسارك المهني ومستقبل مؤسستك. فخطأ إجرائي بسيط، إذا اقترن بنية سيئة، قد يتحول إلى متابعة قضائية خطيرة. هذا المقال هو دليلك الشامل لفهم هذه الجرائم، عقوباتها، وكيفية الوقاية منها.

فهرس المقال إخفاء

ما هي المسؤولية الجزائية في مجال الصفقات العمومية؟

المسؤولية الجزائية في الصفقات العمومية هي مجموعة القواعد القانونية التي تحدد الأفعال التي تعتبر جرائم جنائية عند إبرام أو تنفيذ أو رقابة الصفقات التي تبرمها الدولة أو هيئاتها، وتفرض على مرتكبيها عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية.

من المهم التمييز بين الخطأ الإداري والجريمة الجزائية. فالخطأ الإداري قد يؤدي إلى إلغاء الصفقة أو فرض عقوبات مالية على المتعامل، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى السجن. أما الجريمة الجزائية، فتستلزم وجود ركن مادي (الفعل المخالف للقانون) وركن معنوي (القصد الجنائي أو النية السيئة) يهدف إلى منح امتياز غير مبرر أو تحقيق منفعة شخصية، وهو ما يقع تحت طائلة قانون العقوبات وقانون الوقاية من الفساد ومكافحته.

الإطار القانوني المنظم لجرائم الصفقات العمومية في الجزائر

يعتمد التشريع الجزائري على ترسانة قانونية متكاملة لمكافحة الجرائم المتعلقة بالصفقات العمومية، وأهمها:

1. القانون رقم 06-01: حجر الزاوية

يعد القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، هو النص الأساسي والأكثر صرامة في هذا المجال. هذا القانون لا يكتفي بتعريف الجرائم، بل يحدد أركانها وعقوباتها بدقة، وهو المرجع الأول للقضاة عند النظر في قضايا الفساد المتعلقة بالصفقات.

2. المرسوم الرئاسي رقم 15-247: الدليل الإجرائي

المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015، المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام، هو الذي يضع القواعد الإجرائية التي يجب على الإدارة (المصلحة المتعاقدة) اتباعها. أي خرق متعمد لهذه الإجراءات بهدف تفضيل متعامل على آخر يمكن أن يشكل الركن المادي للجرائم المنصوص عليها في القانون 06-01.

3. قانون العقوبات

يبقى قانون العقوبات الجزائري المرجع العام لبعض الجرائم التي قد ترتبط بالصفقات العمومية مثل تبديد المال العام، التزوير واستعمال المزور في المحررات العمومية، وغيرها من الجرائم التي قد تكون مصاحبة لجنح الفساد.

أشهر الجرائم المتعلقة بالصفقات العمومية وعقوباتها

حدد المشرع الجزائري مجموعة من الجرائم التي ترتبط مباشرة بمجال الصفقات العمومية، وأخطرها ما يلي:

1. جنحة المحاباة (منح امتيازات غير مبررة)

تعتبر هذه الجنحة الأكثر شيوعاً في قضايا الصفقات العمومية، وقد نصت عليها المادة 26 الفقرة 1 من القانون 06-01. لقيام هذه الجريمة، يجب توفر الأركان التالية:

  • صفة الفاعل: يجب أن يكون “موظفاً عمومياً” بالمعنى الواسع الذي حدده القانون (من رئيس الجمهورية إلى أبسط موظف).
  • الفعل المادي: هو قيام الموظف بإبرام أو تأشير أو مراجعة عقد أو صفقة أو طلب… بهدف منح امتياز غير مبرر للغير.
  • النتيجة: أن يكون هذا الامتياز مخالفاً للأحكام التشريعية والتنظيمية. أي أن الموظف خرق الإجراءات المنصوص عليها في مرسوم الصفقات العمومية (مثل عدم احترام مبدأ المنافسة، أو قبول عرض غير مطابق لدفتر الشروط).
  • القصد الجنائي: يجب أن يكون الموظف عالماً بأنه يخرق القانون وأن هدفه من هذا الخرق هو منح امتياز لشخص معين.

العقوبة: الحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات وبغرامة من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج.

تنبيه: خطأ شائع هو الاعتقاد بأن جنحة المحاباة لا تقوم إلا إذا تسببت في ضرر مالي للخزينة العمومية. هذا غير صحيح. فبمجرد منح امتياز غير مبرر ومخالف للقانون، تقوم الجريمة حتى لو كان العرض الممنوح هو الأفضل مالياً. فالقانون هنا يحمي مبدأ المساواة بين المتعهدين والشفافية في الإجراءات وليس فقط المال العام.

2. الرشوة في مجال الصفقات العمومية

نصت عليها المادة 25 من القانون 06-01، وتأخذ شكلين:

  • الرشوة السلبية: يقوم بها الموظف العمومي الذي يطلب أو يقبل مزية غير مستحقة (مال، هدية، خدمة…) لنفسه أو لغيره، بهدف أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل من واجباته (مثل تمرير ملف متعامل لا يستوفي الشروط).
  • الرشوة الإيجابية: يقوم بها صاحب المصلحة (صاحب الشركة مثلاً) الذي يعرض أو يمنح مزية غير مستحقة للموظف العمومي لتحقيق غرضه.

العقوبة: الحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات وبغرامة من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج، وهي نفس عقوبة المحاباة.

3. استغلال النفوذ

نصت عليها المادة 32 من القانون 06-01. وتقوم هذه الجريمة عندما يقوم شخص (سواء كان موظفاً أم لا) بطلب مزية غير مستحقة مدعياً أن له تأثيراً حقيقياً أو وهمياً على موظف عمومي آخر لاتخاذ قرار معين لصالح مقدم المزية. على سبيل المثال، شخص يطلب مالاً من صاحب شركة مقابل “التوسط” له لدى رئيس لجنة تقييم العروض.

4. أخذ فوائد بصفة غير قانونية

نصت عليها المادة 34 من القانون 06-01، وتحدث عندما يأخذ موظف عمومي، بشكل مباشر أو غير مباشر، فائدة أو منفعة في أي عملية أو صفقة يشرف عليها بحكم وظيفته. المثال الكلاسيكي هو الموظف الذي يمنح صفقة لشركة يملكها أحد أقاربه سراً.

جدول ملخص للعقوبات الجزائية في الصفقات العمومية

لتسهيل الفهم، نلخص العقوبات الرئيسية في الجدول التالي:

الجريمةالسند القانوني (من القانون 06-01)عقوبة الحبسالغرامة المالية
جنحة المحاباة (منح امتياز غير مبرر)المادة 26من سنتين (2) إلى عشر (10) سنواتمن 200.000 دج إلى 1.000.000 دج
الرشوة (السلبية والإيجابية)المادة 25من سنتين (2) إلى عشر (10) سنواتمن 200.000 دج إلى 1.000.000 دج
استغلال النفوذالمادة 32من سنتين (2) إلى عشر (10) سنواتمن 200.000 دج إلى 1.000.000 دج
أخذ فوائد بصفة غير قانونيةالمادة 34من سنتين (2) إلى عشر (10) سنواتمن 200.000 دج إلى 1.000.000 دج

إجراءات المتابعة القضائية

عند الشك في وجود جريمة، تمر القضية عبر المراحل التالية:

  1. التبليغ والتحريات الأولية: يمكن لأي شخص تبليغ السلطات. تتولى الضبطية القضائية المختصة (الدرك الوطني، الشرطة، أو فصائل الأبحاث المتخصصة) جمع الأدلة الأولية تحت إشراف وكيل الجمهورية.
  2. التحقيق القضائي: إذا كانت الأدلة كافية، يفتح وكيل الجمهورية تحقيقاً قضائياً ويعين قاضي تحقيق. يقوم هذا الأخير بإجراءات معمقة: سماع الشهود، إجراء الخبرات، تفتيش المقرات، وقد يأمر بالوضع تحت الرقابة القضائية أو الحبس المؤقت.
  3. المحاكمة: بعد انتهاء التحقيق، يحيل قاضي التحقيق الملف إلى محكمة الجنح (القطب الجزائي المتخصص غالباً) للفصل فيه. يتم استدعاء المتهمين والشهود والضحايا (الدولة ممثلة في الخزينة العمومية) وتتم المحاكمة وفقاً لقانون الإجراءات الجزائية.
نصيحة الخبير: أفضل وسيلة للوقاية من المتابعات الجزائية هي “التوثيق المبرر”. يجب على كل مسؤول عن صفقة عمومية، خاصة أعضاء لجان فتح الأظرفة وتقييم العروض، أن يحرصوا على تدوين كل قرار يتخذونه في محاضر رسمية ومفصلة. إذا تم رفض عرض، يجب ذكر الأسباب القانونية والتنظيمية للرفض بوضوح (مثلاً: “تم رفض العرض لعدم مطابقته للمادة 5 من دفتر الشروط التقنية”). هذا “الأثر الكتابي” هو أفضل حماية في حال حدوث أي تحقيق مستقبلي، لأنه يثبت أن القرارات كانت مبنية على أسس موضوعية وليس على اعتبارات شخصية. استشارة المصادر القانونية مثل تلك التي يوفرها موقع akhbardz يمكن أن تساعد في فهم القوانين ذات الصلة.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

س1: أنا عضو في لجنة تقييم العروض، هل يمكن متابعتي جزائياً إذا وافقت على قرار تبين لاحقاً أنه خاطئ؟

ج: نعم، يمكن متابعتك. فالمسؤولية شخصية. إذا صوتت لصالح منح الصفقة لمتعامل لا يستوفي الشروط، وكان تصويتك عن علم وبنية تفضيله، فأنت مسؤول تماماً كمن وقع على الصفقة. أما إذا تم تضليلك أو صوتت بناءً على معلومات خاطئة قدمت لك بحسن نية، فيمكنك الدفع بانعدام القصد الجنائي، وهو ما يفصل فيه قاضي الموضوع.

س2: ما الفرق بين الطعن الإداري في منح الصفقة والشكوى الجزائية؟

ج: الطعن الإداري يقدمه المتعهد الذي يرى أن حقه قد أهدر أمام لجنة الصفقات المختصة أو أمام المحكمة الإدارية، وهدفه هو إلغاء قرار المنح المؤقت للصفقة وإعادة تقييم العروض. أما الشكوى الجزائية فتقدم لوكيل الجمهورية، وهدفها ليس إلغاء الصفقة بل متابعة الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم (محاباة، رشوة…) أثناء إبرامها ومعاقبتهم جنائياً.

س3: كصاحب شركة خاصة، هل يمكن أن أكون متهماً في قضية صفقة عمومية؟

ج: بالتأكيد. يمكن متابعتك كشريك للموظف العمومي في جنحة المحاباة (إذا كنت المستفيد من الامتياز غير المبرر)، أو كفاعل أصلي في جريمة الرشوة الإيجابية (إذا كنت أنت من قدم الرشوة)، أو في جرائم أخرى كتقديم تصريحات كاذبة أو وثائق مزورة في ملف الترشح.

س4: ما هو أجل التقادم في جرائم الفساد المتعلقة بالصفقات العمومية؟

ج: القاعدة العامة في الجنح هي ثلاث (3) سنوات. لكن القانون رقم 06-01 أتى بقاعدة خاصة ومهمة جداً في المادة 6 مكرر منه، حيث نص على أن أجل تقادم الدعوى العمومية في جرائم الفساد لا يبدأ في السريان إلا من يوم اكتشاف الجريمة والأطراف الفاعلة فيها، وليس من يوم ارتكابها. هذا يعني أن هذه الجرائم عملياً لا تتقادم بسهولة ويمكن فتح تحقيق فيها بعد سنوات طويلة.

الخاتمة

إن المسؤولية الجزائية في الصفقات العمومية في الجزائر هي مسألة جدية ذات عواقب وخيمة. المشرع الجزائري، من خلال قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، وضع إطاراً قانونياً صارماً يهدف إلى حماية المال العام وضمان الشفافية والمساواة. على كل فاعل في هذا المجال، سواء في القطاع العام أو الخاص، أن يكون ملماً بهذه القواعد وأن يتخذ من النزاهة والتقيد الصارم بالقانون درعاً واقياً له. إن احترام الإجراءات ليس مجرد شكليات إدارية، بل هو جوهر الوقاية من الانزلاق إلى المساءلة الجزائية.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى