الجزائر تعزز نفوذها في الاتحاد الإفريقي: مكاسب استراتيجية وقيادة قارية مؤثرة

الجزائر تعمق حضورها وتأثيرها في صلب الاتحاد الإفريقي من خلال توليها مناصب قيادية ومسؤوليات محورية ضمن هيئات الاتحاد الفرعية. هذه النجاحات المتتالية تؤكد الدور المتنامي للدبلوماسية الجزائرية على الساحة القارية، وتعكس طموح الجزائر في تعزيز نفوذها الاستراتيجي.
شهدت الفترة الأخيرة تحقيق الجزائر لإنجازات دبلوماسية بارزة، كان آخرها فوز السفير محمد خالد، الممثل الدائم للجزائر لدى الاتحاد الإفريقي، برئاسة لجنة الممثلين الدائمين المعنية بحقوق الإنسان والديمقراطية والحوكمة. هذا الانتصار يضاف إلى اختيار الجزائر لعضوية لجان حيوية أخرى، مثل اللجنة الوزارية للترشيحات في المنظومة الدولية، واللجنة الوزارية المكلفة بأجندة الاتحاد الإفريقي 2063، ولجنة الممثلين الدائمين المعنية بالشؤون البيئية، إضافة إلى لجان فنية متخصصة في الثقافة والشباب والرياضة والاتصالات والمواصلات، ومكتب العمليات القاري لمكافحة الهجرة غير الشرعية.
تعتبر هذه المكاسب امتدادًا لانتصارات انتخابية سابقة ومهمة، حيث تمكن عضو مجلس الأمة فاتح بوطبيق من الظفر برئاسة البرلمان الإفريقي في أواخر أفريل الماضي بفارق كبير في الأصوات. ويعد هذا المنصب الثاني من حيث الأهمية في الاتحاد الإفريقي. كما كان لافتًا الفوز الذي حققته الجزائرية سلمى مليكة حدادي بمنصب نائب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي في فيفري 2025، وهو ما مثل انتكاسة لمساعي بعض الأطراف في اختراق مؤسسات الاتحاد.
لم يقتصر الحضور الجزائري على هذه المناصب، بل شمل أيضًا عضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي للفترة 2025-2028، وهي الهيئة الإفريقية الأهم المختصة في معالجة النزاعات والوساطة السياسية. هذا التموقع الاستراتيجي يعكس وزن الجزائر كفاعل رئيسي في تحقيق الاستقرار والأمن في القارة.
وحول أهمية هذه التطورات، يوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر 3، توفيق بوقاعدة، أن ترؤس الجزائر لهذه المؤسسات يمنحها تموقعًا حساسًا وقوة ناعمة في ظل التحولات العالمية الراهنة. ويؤكد بوقاعدة أن هذه المكاسب ليست مالية مباشرة، بل هي سياسية ودبلوماسية واستراتيجية ذات قيمة كبرى لأي دولة ذات أهداف جيوسياسية.
من أبرز هذه المكاسب زيادة النفوذ السياسي للجزائر في القارة السمراء، مما يعزز قدرتها على التأثير في أولويات الاتحاد وملفاته، والدفاع عن مواقفها بشأن قضايا إقليمية محورية مثل الأمن في الساحل، والتنمية الإفريقية، ودعم القضايا العادلة. كما تساهم هذه الاستراتيجية في تعزيز المكانة الدولية للجزائر، حيث تصبح رئيستها لمؤسسات الاتحاد الإفريقي بمثابة حضور أكبر أمام الشركاء الدوليين كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة البريكس، ويُنظر إليها كدولة رائدة قادرة على قيادة المبادرات الإقليمية.
ولا يغفل بوقاعدة البعد الاقتصادي لهذه الشراكات، حيث يرى أنها تدعم المصالح الاقتصادية وتسهل بناء الشراكات التجارية مع الدول الإفريقية، بالإضافة إلى تعزيز مشاريع الربط القاري كطرق الصحراء وخطوط الطاقة والاتصالات. كما يوفر هذا الحضور منصة قوية للجزائر للدفع نحو حلول تتوافق مع رؤيتها لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل، وإبراز خبرتها الدبلوماسية وتاريخها العريق في دعم حركات التحرر الإفريقية، مما يكسبها ثقة وعلاقات أوسع مع الحكومات الإفريقية.
تؤكد هذه التحركات الدبلوماسية المتواصلة سعي الجزائر الدؤوب لترسيخ دورها كقوة إقليمية مؤثرة ومركز ثقل في القرار الإفريقي، مستفيدة من تاريخها الطويل في دعم القضايا العادلة والتنمية المستدامة في القارة.




