تايوان تتحول إلى مركز عالمي للابتكار الطبي في مواجهة الشيخوخة السكانية

مع ارتفاع متوسط الأعمار حول العالم بوتيرة غير مسبوقة، تتصاعد الحاجة إلى حلول صحية جديدة قادرة على مواجهة الخرف والسكري وأمراض القلب وغيرها من الأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في السن. وفي هذا السياق، تبرز تايوان بوصفها تجربة لافتة جمعت بين التكنولوجيا الطبية والرعاية الصحية الذكية، مستفيدة من عقود من الاستثمار في الصحة وأشباه الموصلات والبيانات الطبية واسعة النطاق.
الأرقام العالمية تشرح حجم التحدي. فقد تضاعف عدد من تجاوزوا سن الستين في العقود الثلاثة الماضية ليصل إلى 1.2 مليار نسمة عام 2025، مع توقع ارتفاعه إلى 2.1 مليار بحلول 2050. كما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنه بحلول 2080 سيفوق عدد من تزيد أعمارهم على 65 عاما عدد الأطفال دون سن 18، ما يعني أن أنظمة الصحة ستحتاج إلى التركيز أكثر على الوقاية والكشف المبكر والرعاية الذكية.
تايوان استعدت مبكرا لهذا التحول، وبنت على مدى أربعة عقود منظومة صحية متطورة. وتستفيد الجزيرة من قاعدة بيانات أبحاث التأمين الصحي التي تغطي أكثر من 23 مليون شخص، أي ما يعادل 99.9% من السكان، وتوثق زيارات الأطباء والإقامات في المستشفيات والجراحات والوصفات الدوائية. كما أطلقت مبادرة الطب الدقيق، وجمعت البيانات الجينية لأكثر من 500 ألف متطوع وربطتها بسجلاتهم الطبية الإلكترونية، دعما للطب الشخصي والتنبؤ بالمخاطر الوراثية.
هذه البيئة أنتجت نماذج عملية في الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي. فقد أدرجت مجلة نيوزويك 13 مستشفى تايوانيا ضمن قائمة أفضل المستشفيات الذكية في العالم عام 2026، كما أنشأت الحكومة 19 مركزا وطنيا للطب المعتمد على الذكاء الاصطناعي ووافقت على أكثر من 50 منتجا طبيا مدعوما بهذه التقنية للكشف عن السرطان والتنبؤ بأمراض القلب ودعم القرار الطبي.
وعلى مستوى الشركات، طورت إيسر ميديكال نظام فيري أوستيو للكشف المبكر عن هشاشة العظام باستخدام صور الأشعة السينية للصدر، واستفاد منه أكثر من مليون شخص حول العالم. كما قدمت إي بي إي دي نظام الملاحة الجراحية المجسم ريتينا بدقة تقل عن 1 مليمتر، فيما طورت سورغلاسز أدوات للتوجيه الجراحي تعتمد على الواقع المعزز والواقع المختلط والذكاء الاصطناعي. أما زينكستس فدعمت التشخيص الجزيئي السريع، بينما ابتكرت أمكاد بيوميد حلولا لتقييم انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم بالموجات فوق الصوتية.
وتعزز تايوان حضورها الدولي عبر مبادرة Go Healthy with Taiwan التي استقطبت 638 مقترحا من 55 دولة العام الماضي، وتستهدف في نسخة 2026 أكثر من 800 مشاركة. وبينما تتسارع الشيخوخة السكانية عالميا، تبدو التجربة التايوانية دليلا على أن الاستثمار في البيانات والتقنية والتعاون الدولي قد يصنع فرقا حقيقيا في مستقبل الصحة.




