الصحة

تحليل دم متعدد السرطانات يَعِد بالكشف المبكر لكنه يثير أسئلة حاسمة

يبدو حلم اكتشاف السرطان من خلال تحليل دم واحد خطوة كبيرة نحو مستقبل أكثر دقة في الطب، خصوصا إذا كان الشخص بلا أعراض. فالفكرة تقوم على رصد إشارات قد تكشف وجود ورم في بدايته، بل وقد تساعد أحيانا في تحديد العضو المرجح لبدء المرض. لكن هذا الوعد المثير لا يزال يواجه اختبارات علمية صارمة قبل أن يتحول إلى أداة فحص معتمدة على نطاق واسع.

اختبارات الدم متعددة السرطانات تعتمد على التقاط الحمض النووي الحر في الدورة الدموية أو الحمض النووي الورمي الذي تتركه الخلايا السرطانية، ثم تحليل طفرات جينية أو أنماط مثيلة الحمض النووي أو مؤشرات حيوية أخرى. وبعد ذلك تستخدم خوارزميات حاسوبية لتقدير وجود إشارة سرطانية ومكانها المحتمل. غير أن هذه النتيجة ليست تشخيصا نهائيا، إذ تحتاج عادة إلى تصوير إضافي، وأحيانا إلى خزعة لتأكيد السرطان.

المشكلة الأساسية أن السرطان في مراحله المبكرة قد يطلق كميات ضئيلة جدا من المادة الوراثية في الدم، ما يجعل اكتشافه أصعب في المرحلة التي نحتاج فيها إلى الفحص أكثر من غيرها. وقد أظهرت دراسة نشرت عام 2021 في مجلة أنالز أوف أونكولوجي أن الحساسية كانت ضعيفة جدا في المراحل المبكرة، رغم ارتفاعها في المراحل المتقدمة. كما بينت مقارنة مستقلة موّلتها المؤسسة الوطنية الأمريكية للسرطان ونشرت عام 2026 أن أداء هذه الاختبارات يختلف بوضوح من فحص إلى آخر.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين الحساسية والنوعية والقيمة التنبؤية الإيجابية. فالإيجابية الكاذبة قد تعني دخول شخص سليم في دوامة من التصوير والخزعات والقلق، بينما النتيجة السلبية لا تستبعد السرطان تماما. وقد أظهرت دراسة باثفايندر عام 2023 أن إدخال الاختبار في مسار الرعاية ممكن، لكنه لم يثبت أنه يقلل الوفيات. أما تجربة إن إتش إس غاليري البريطانية التي شملت أكثر من 142 ألف شخص بين 50 و77 عاما، فقد لم تحقق هدفها الأساسي في خفض تشخيص السرطانات المتقدمة من نوع محدد، رغم بعض النتائج الثانوية المشجعة.

الخلاصة أن تحليل دم متعدد السرطانات تقنية واعدة، لكنه لم يصبح بعد بديلا عن برامج الفحص المعتمدة لسرطان الثدي وعنق الرحم والقولون والرئة لدى الفئات المؤهلة. وحتى يوليو/تموز 2026، لم تعتمد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أي اختبار من هذا النوع للفحص السكاني، كما لا توصي به الهيئات الطبية الروتينية للأشخاص الذين لا يعانون أعراضا. لذلك يبقى استخدامه الآن موضع تقييم، لا حكما نهائيا على مستقبل الكشف المبكر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى