السرطان في لبنان يتفاقم بين التدخين والانهيار الاقتصادي والقصف

يواجه لبنان أزمة صحية متصاعدة في مكافحة السرطان، بعدما تداخلت عوامل الخطر المزمنة مع الانهيار الاقتصادي وتداعيات القصف الإسرائيلي. ورغم أن البلاد كانت يوما من أبرز مراكز الرعاية الصحية في المنطقة، فإن الواقع الحالي يكشف عن عبء مرضي يزداد ثقلا عاما بعد عام، ويضع المرضى أمام تحديات قد تبدأ بالتشخيص المتأخر ولا تنتهي بانقطاع العلاج.
وبحسب دراسة نُشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 في دورية ذا لانسيت، ارتفع عدد حالات السرطان في لبنان بنسبة 162% بين عامي 1990 و2023، بينما زادت الوفيات المرتبطة به بنسبة 80%. ويبلغ عدد سكان البلاد نحو 6 ملايين نسمة، ما يجعلها من أسرع الدول عالميا في ارتفاع الإصابات الجديدة والوفيات خلال تلك الفترة.
وتظهر بيانات المرصد العالمي للسرطان التابع للوكالة الدولية لأبحاث السرطان أن لبنان سجل في عام 2022 نحو 13 ألفا و34 إصابة جديدة، و7307 وفيات مرتبطة بالمرض، إلى جانب 33 ألفا و576 حالة كانت لا تزال على قيد الحياة خلال السنوات الخمس السابقة. وتصدرت سرطانات الثدي والرئة والبروستاتا والقولون والمستقيم والمثانة قائمة الأنواع الأكثر شيوعا.
وتتداخل في هذه الأزمة عوامل عدة، أبرزها التدخين الذي يعد من أهم عوامل خطر السرطان في لبنان. ووفقا لبيانات منظمة الصحة العالمية، يدخن نحو ثلث اللبنانيين، ما يرفع العبء الصحي على المدى الطويل. كما أدى تراجع الكهرباء والاعتماد الواسع على مولدات الديزل إلى زيادة تلوث الهواء، في وقت تراجعت فيه القدرة على تحمل تكاليف الفحوص والأدوية.
ومنذ عام 2019، أضعف الانهيار الاقتصادي النظام الصحي، ودفع عددا من الأطباء والممرضين إلى الهجرة، كما تضررت الإمدادات والتمويل والخدمات العلاجية. وزاد القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان وضواحي بيروت الوضع تعقيدا، بعدما اضطر أكثر من 1283 مريضا إلى النزوح، وتضرر 15% من المستشفيات التي كانت تقدم خدمات علاج السرطان، وفق ما أوضحه وزير الصحة العامة اللبناني الدكتور ركان ناصر الدين خلال مشاركته في مؤتمر أسكو 2026. كما توقفت 25% من الصيدليات المشاركة في برنامج أمان عن العمل، ولا سيما في ما يتعلق بتوفير العلاج الكيميائي والعلاجات الأساسية.
وفي ظل هذه الضغوط، أطلقت وزارة الصحة اللبنانية بالتعاون مع شركة أسترازينيكا حملة وطنية للكشف المبكر عن سرطان الرئة تحت شعار: أقلع عن التدخين، اختر السلامة، اكتشف مبكرا قبل فوات الأوان. وتؤكد هذه الحملة أن الإقلاع عن التدخين والالتفات إلى الأعراض المبكرة قد يصنعان فارقا حاسما في فرص العلاج والسيطرة على المرض.
وتكشف تجربة لبنان أن مواجهة السرطان لا تتعلق بالعلاج وحده، بل بقدرة النظام الصحي على الصمود أمام الأزمات المتراكمة. وبين التدخين وتلوث الهواء ونقص الأدوية والنزوح وتضرر المستشفيات، يبقى التحدي الأهم هو حماية المرضى من انقطاع الرعاية في لحظة هم أحوج ما يكونون فيها إلى الاستمرار فيها.




