الصحة

لقاحات الأطفال في عهد ترمب عندما يسبق القرار السياسي الدليل العلمي

في 10 أغسطس/آب 2026، أثار أمر تنفيذي وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب جدلاً واسعاً حول لقاحات الأطفال، بعدما دعا إلى تقليص اللقاحات الموصى بها روتينياً، وإعطاء التطعيمات في زيارات منفصلة قدر الإمكان، بل وفصل اللقاح الثلاثي ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية إلى ثلاثة لقاحات منفردة عندما تصبح متاحة في الولايات المتحدة.

المشكلة الأساسية ليست في طرح الأسئلة على السياسة الصحية، بل في استبدال الدليل العلمي بالإحساس الشخصي. فالرئيس نفسه قال إن موقفه من لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية مبني على ما “يشعر به”، وعندما سئل عن الدليل على أنه قد يكون خطيراً أو “قاتلاً”، أقر بأنه لا يملك دليلاً يثبت ذلك. وفي العلم، لا تبدأ الممارسة الطبية من النتيجة ثم نبحث عن تبرير لها؛ بل تبدأ بالفرضية ثم الاختبار ثم التعديل إذا تغيرت الأدلة.

ومن بين أبرز المبررات المتداولة لفصل اللقاح الثلاثي فكرة أن تعدد اللقاحات قد “يرهق” الجهاز المناعي. لكن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن إعطاء عدة لقاحات في الزيارة نفسها آمن، وأن اللقاحات المركبة لا ترهق الجهاز المناعي، كما تقلل عدد الحقن والزيارات وتساعد الأطفال على إكمال جدول التطعيم في الوقت المناسب. كما أشارت دراسة منشورة في جاما إلى أن التعرض التراكمي لمستضدات اللقاحات خلال أول 23 شهراً من الحياة لم يرتبط بزيادة لاحقة في العدوى غير المستهدفة باللقاحات.

أما الجدل الأقدم حول اللقاح الثلاثي والتوحد، فقد حسمته الأدلة مراراً. ففي دراسة دنماركية عام 2019 شملت 657 ألفاً و461 طفلاً، لم تُرصد أي زيادة في خطر التوحد لدى متلقي اللقاح. كما خلصت مراجعة كوكرين، التي شملت بيانات أكثر من 1.19 مليون طفل، إلى عدم وجود دليل على أن اللقاح يسبب التوحد. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أكدت اللجنة العالمية الاستشارية لسلامة اللقاحات التابعة لمنظمة الصحة العالمية النتيجة نفسها بعد مراجعة 31 دراسة أولية.

تتضاعف حساسية القرار في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أسوأ موجة حصبة منذ أكثر من ثلاثة عقود، مع تسجيل 2777 حالة مؤكدة حتى 20 أغسطس/آب 2026، وتراجع تغطية اللقاح بين أطفال رياض الأطفال إلى ما دون 95%، وهي نسبة مهمة لمنع انتشار مرض شديد العدوى مثل الحصبة.

الخلاصة واضحة: العلم لا يُدار بأمر تنفيذي، ولا يمكن لمشاعر سياسية أن تغيّر نتائج دراسات شملت مئات الآلاف ومليون طفل وأكثر. وأي مساس بثقة الجمهور في لقاحات الأطفال قد يدفع ثمنه الأطفال أولاً وأخيراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى