الصحة

إيبولا والدرس الذي غيّر استعداد العالم لمواجهة الأوبئة

قبل أن يفرض فيروس كورونا نفسه على العالم، كان إيبولا قد كشف مبكرا هشاشة الأنظمة الصحية أمام الأوبئة، وأجبر الدول على إعادة التفكير في الترصد الوبائي، وتتبع المخالطين، وبناء الثقة المجتمعية. ولم يكن التحدي في شدة الفيروس وحدها، بل في سرعة انتشاره وصعوبة احتوائه عندما يتأخر الاكتشاف وتضعف الاستجابة.

ويعود اسم إيبولا إلى الواجهة مع استمرار التفشي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وسط تحذيرات من أن السيطرة عليه قد تحتاج إلى أشهر طويلة وربما تمتد لعام كامل. ويظل هذا الفيروس من أكثر مسببات الحمى النزفية القاتلة تعقيدا، إذ يبلغ متوسط معدل الوفاة التاريخي نحو 50%، مع تفاوت واسع بين 25% و90% بحسب نوع الفيروس وسرعة اكتشاف الحالات وجودة الرعاية الصحية.

وتزداد صعوبة المواجهة لأن إيبولا ليس نوعا واحدا، بل عائلة تضم عدة أنواع، أبرزها فيروس زائير الذي طورت ضده أهم اللقاحات المعتمدة، إلى جانب أنواع أخرى مثل السودان وبونديبوغيو، والتي لا تمنح اللقاحات المخصصة لزائير حماية مؤكدة ضدها. هذا التنوع جعل تطوير اللقاحات والعلاجات أكثر تعقيدا، ودفع العلماء إلى تسريع التجارب السريرية خلال التفشيات بدلا من انتظار انتهاء الأزمة.

لكن التحول الأكبر جاء بعد تفشي غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016، حين أصيب أكثر من 28 ألف شخص وتوفي أكثر من 11 ألفا. عندها أدرك العالم أن الوباء لا ينتصر بسبب قوة الفيروس فقط، بل أيضا بسبب ضعف الإنذار المبكر، وصعوبة تعقب سلاسل العدوى، وتراجع الثقة بين المجتمعات والسلطات الصحية.

ومن هنا برزت ثلاثة دروس أساسية: تعزيز الترصد الوبائي والكشف المبكر، وتطوير تتبع المخالطين بأدوات أكثر دقة وسرعة، وجعل الثقة المجتمعية جزءا لا يتجزأ من الاستجابة الصحية. كما ساهمت هذه الخبرات في اعتماد لقاح إيرفيبو ضد سلالة زائير، وفي تمهيد الطريق لدروس مهمة استفادت منها استجابة العالم خلال جائحة كورونا.

وبينما يستمر فيروس إيبولا في الظهور من وقت إلى آخر، يبقى إرثه الأهم أنه لم يكن مجرد تهديد صحي، بل نقطة تحول دفعت العالم إلى إدراك أن الاستعداد للأوبئة يبدأ قبل ظهورها، وأن النجاح في مواجهتها يتطلب علما سريعا، ومجتمعا واثقا، وتعاونا دوليا فعّالا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى