الدين

صيام القضاء والكفارات في الجزائر شروط وطريقة الأداء الصحيحة

يمثّل شهر رمضان المبارك محطة إيمانية فريدة في حياة كل مسلم، لكنّ رحلة العبادة والمسؤولية لا تنتهي بغروب شمس آخر يوم فيه. ففي ذمّة الكثيرين تبقى أيامٌ أفطروها بعذر شرعي، أو ربما بغير عذر، وهنا يبرز مفهوم “القضاء والكفارة” كباب من أبواب رحمة الله وتأكيد على عظمة هذه الشعيرة. ومع ذلك، يقع الكثير من المسلمين اليوم في الجزائر وغيرها في حيرة من أمرهم، بين الجهل بالأحكام الدقيقة، والتسويف في أداء ما عليهم، أو الخلط بين ما هو قضاء واجب وما هو كفارة مغلّظة، مما يجعل هذا الدين الذي هو في الأصل أمانة، عبئًا نفسيًا بدلًا من كونه تزكية للروح. هذا الدليل الشامل يهدف إلى تبسيط هذه الأحكامن وتأصيلها، ليكون عونًا لكل مسلم على إبراء ذمته وإتمام عبادته على الوجه الذي يرضي الله.

فهرس المقال إخفاء

صيام القضاء والكفارة: ما هو؟ وكيف نفرّق بينهما؟

قبل الخوض في التفاصيل، لا بد من تأسيس فهم دقيق للمصطلحات الشرعية، فالخلط بينها هو أصل كثير من الأخطاء العملية.

1. المعنى اللغوي والاصطلاحي للقضاء

لغةً: القضاء يأتي بمعانٍ عدة منها الحكم، الإتمام، والأداء. تقول “قضى دينه” أي أداه ووفّاه.

اصطلاحًا: هو فعل العبادة (مثل الصيام أو الصلاة) بعد خروج وقتها المحدد لعذر شرعي. فالقضاء هو بمثابة “سداد دين” لله عز وجل، وهو واجب على كل من فاته يوم من رمضان بسبب معتبر شرعًا.

2. المعنى اللغوي والاصطلاحي للكفارة

لغةً: من “الكَفْر” وهو التغطية والستر. وسُميت بذلك لأنها تغطي الذنب وتستره وتمحو أثره.

اصطلاحًا: هي عقوبة وعبادة محددة شرعًا، تُفرض على من ارتكب محظورًا معينًا أو انتهك حرمة مقدسة، بهدف جبر هذا الانتهاك وتطهير النفس من إثمه. وهي أشد وأغلظ من مجرد القضاء.

3. الفرق الجوهري بين القضاء والكفارة

  • السبب: القضاء يكون بسبب فوات العبادة لعذر (مرض، سفر، حيض)، أما الكفارة فتكون بسبب انتهاك حرمة الشهر عمدًا (مثل الجماع في نهار رمضان).
  • الطبيعة: القضاء هو “بَدَل” عن اليوم الفائت (يوم بيوم). أما الكفارة فهي “عقوبة” وجبر للخلل، ولا تسقط وجوب القضاء.
  • الحكم: من أفطر بعذر وجب عليه القضاء فقط. ومن أفطر عمدًا بانتهاك معين (سيأتي تفصيله) وجب عليه القضاء والكفارة معًا.

الأصل الشرعي لوجوب القضاء والكفارة

لم تُترك هذه الأحكام لاجتهادات الناس، بل هي ثابتة بنصوص قطعية من الكتاب والسنة النبوية المطهرة.

أدلة وجوب القضاء

الأصل في وجوب قضاء الصيام هو قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: 184). هذا النص القرآني صريح وواضح في أن من أفطر لعذر المرض أو السفر، فإن ذمته لا تبرأ إلا بصيام عدد مماثل من الأيام بعد انقضاء رمضان.

ومن السنة، ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها حين سُئلت: “مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ؟” فَقَالَتْ: “كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ”. (متفق عليه). وهذا دليل على أن قضاء الصوم للحائض أمر توقيفي من الشارع.

أدلة وجوب الكفارة

أما الكفارة المغلّظة، فدليلها هو الحديث الشهير الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: “بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْتُ. قَالَ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قَالَ: لاَ. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لاَ. فَقَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟»…” (متفق عليه). فهذا الحديث أصل في وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان عمدًا.

أحكام قضاء الصوم والكفارة في المذاهب الفقهية (مع التركيز على المذهب المالكي)

يتفق العلماء على الأصول العامة، لكن توجد بعض التفصيلات التي من المهم معرفتها، خاصة ما يتعلق بالمذهب المالكي السائد في الجزائر والمغرب العربي.

متى يجب القضاء فقط؟

يجب قضاء الصوم دون كفارة في الحالات التالية:

  • المريض: الذي يشق عليه الصوم أو يسبب له ضررًا.
  • المسافر: سفرًا يبيح قصر الصلاة.
  • الحائض والنفساء: ويحرم عليهما الصوم، ويجب عليهما القضاء بالإجماع.
  • الحامل والمرضع: إذا خافتا على نفسيهما أو على ولديهما، فعليهما القضاء. وإن كان الخوف على الولد فقط، فعليهما القضاء مع الفدية (إطعام مسكين عن كل يوم) عند بعض المذاهب.
  • من أكل أو شرب ناسيًا: فصومه صحيح ولا قضاء عليه لقوله ﷺ: “من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه”.
  • من أفطر خطأً غير متعمد: كمن ظن أن الشمس قد غربت فأفطر، ثم تبين له أنها لم تغرب، فعليه القضاء فقط عند جمهور العلماء.

متى تجب الكفارة مع القضاء؟

تجب الكفارة مع القضاء عند انتهاك حرمة صوم رمضان عمدًا. والمجمع عليه بين المذاهب هو الجماع العمدي في نهار رمضان.

ولكن، يتميز المذهب المالكي بالتوسع في موجبات الكفارة، حيث يوجبها أيضًا على من أكل أو شرب عمدًا بلا تأويل أو عذر في نهار رمضان. وهذا من باب التشديد في حرمة الشهر، وهو الرأي المعمول به في الفتوى بالجزائر غالبًا، لذا يجب على المسلم الحذر الشديد من التساهل في هذا الأمر.

مسألة تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان التالي

الأصل هو المسارعة في قضاء ما على الإنسان من دين، ولا يجوز تأخير القضاء بدون عذر إلى أن يدخل رمضان الذي يليه. فمن فعل ذلك متعمدًا، فقد أثم، ووجب عليه عند جمهور الفقهاء (ومنهم المالكية والشافعية والحنابلة) القضاء مع فدية إطعام مسكين عن كل يوم أخّره، كعقوبة له على هذا التسويف.

نصيحة “أخبار دي زاد” الإيمانية: لا تنظر إلى أيام القضاء على أنها عبء، بل اعتبرها فرصة إضافية لتنقية النفس وكسب الأجر. اجعل نيتك مزدوجة: سداد الدين، والتقرب إلى الله في غير رمضان، فقد تصوم يوم اثنين أو خميس بنية القضاء فتجمع بين أجرين عظيمين.

دليلك العملي لأداء القضاء والكفارة في الجزائر

كيفية قضاء الأيام الفائتة

  • النية: يجب تبييت النية (عقد العزم على الصيام) من الليل قبل طلوع الفجر لكل يوم من أيام القضاء، لأنها صيام واجب.
  • التتابع: لا يشترط التتابع في صيام القضاء، فيمكن صيام الأيام متفرقة، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فجاء اللفظ مطلقًا. ولكن المبادرة والتتابع أفضل لإبراء الذمة أسرع.
  • الشك في العدد: من شك في عدد الأيام التي عليه ولم يستطع تحديدها، فالأصل أن “الذمة لا تبرأ إلا بيقين”. لذا عليه أن يصوم ما يغلب على ظنه أنه العدد المطلوب أو أكثر، حتى يطمئن قلبه أنه أدى ما عليه. وهذا من باب الاحتياط في العبادة.

كيفية أداء الكفارة

الكفارة واجبة على الترتيب الذي ورد في الحديث، فلا يجوز الانتقال من خصلة إلى أخرى إلا عند العجز عن التي قبلها:

  1. عتق رقبة مؤمنة: وهذا غير ممكن في زماننا.
  2. صيام شهرين متتابعين: (60 يومًا) لا يفطر بينها يومًا واحدًا بغير عذر شرعي (كمرض أو سفر للنساء كالحيض). فإن أفطر يومًا بغير عذر، وجب عليه البدء من جديد.
  3. إطعام ستين مسكينًا: لمن عجز عن صيام الشهرين. ويكون لكل مسكين “مُدّ” من غالب قوت أهل البلد (حوالي 750 جرامًا من السميد أو الدقيق أو الأرز). ويجوز في الجزائر إخراج قيمتها نقدًا حسب ما تحدده وزارة الشؤون الدينية والأوقاف كل عام لتسهيل الأمر على الناس.

لمعرفة المزيد حول الفتاوى والقضايا المعاصرة، يمكنك متابعة الشؤون الدينية في الجزائر عبر منصتنا.

الآثار الإيمانية والسلوكية لقضاء الصيام

إن أداء القضاء والكفارة ليس مجرد عملية فقهية جافة، بل له أبعاد تربوية وسلوكية عميقة:

  • على الفرد: يعزز شعور المسؤولية والأمانة، ويُربي المسلم على تعظيم شعائر الله، ويجدد العهد مع الله بعد رمضان، ويشعره بلذة الطاعة بعد أداء الدين الذي في ذمته.
  • على المجتمع: يُشيع ثقافة احترام الأمانات والديون، سواء كانت مع الله أو مع الناس، ويظهر جدية المسلمين في تطبيق دينهم.

سؤال وجواب: تصحيح مفهوم

السؤال الشائع: “هل يمكنني دفع المال (الفدية) بدلاً من صيام القضاء إذا كنت أستطيع الصيام ولكنني أجد صعوبة أو مشغول بعملي؟”

الجواب: لا، هذا فهم خاطئ ومنتشر. الفدية (الإطعام) لا تجزئ عن القضاء إلا للعاجز عجزًا دائمًا عن الصيام، كالشيخ الكبير الهرم أو المريض مرضًا مزمنًا لا يُرجى شفاؤه. أما القادر على الصيام، ولو مع بعض المشقة، فالدين في ذمته هو الصوم نفسه، لقوله تعالى الصريح: “فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ”. والتساهل في هذا الأمر هو تلاعب بأحكام الله.

أسئلة شائعة حول صيام القضاء والكفارات

ما حكم من مات وعليه أيام قضاء من رمضان؟

اختلف العلماء في ذلك، والراجح ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: “مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ” (متفق عليه). فمن استطاع من أوليائه (أقاربه) أن يصوم عنه فليفعل، وهو من البر به. وإن لم يصوموا عنه، فيُستحب أن يُخرجوا من تركته فدية إطعام مسكين عن كل يوم أفطره.

هل يجوز الجمع بين نية القضاء ونية صيام التطوع (كصيام الست من شوال)؟

هذه مسألة خلافية. بعض العلماء يجيز ذلك ويرى أن الأجرين يحصلان معًا، ولكن الأحوط والأبرأ للذمة هو إفراد كل عبادة بنية مستقلة. فتبدأ بقضاء ما عليك من فرض، ثم تتطوع بما شئت من النوافل، وهذا هو مذهب جمهور العلماء الذين يرون أن الفرض أقوى ولا يُشرك معه في النية.

عليّ أيام كثيرة من سنوات ماضية ولا أعرف عددها، فماذا أفعل؟

كما ذكرنا سابقًا، عليك بالاجتهاد في تقدير العدد الذي يغلب على ظنك، ثم الصيام بناءً على هذا التقدير مع الأخذ بالأحوط (الزيادة أفضل من النقصان). وابدأ بالقضاء فورًا ولا تسوّف، والله يرى صدق نيتك وتوبتك ويعينك.

ما هو مقدار فدية الإطعام أو الكفارة بالدينار الجزائري؟

يختلف هذا المقدار من سنة لأخرى بناءً على قيمة قوت الناس. الجهة الرسمية المخولة بتحديد ذلك هي وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر، والتي تعلن عن القيمة المحددة لزكاة الفطر وفدية الإطعام كل عام قبيل نهاية رمضان. فيجب الرجوع لبياناتها الرسمية.

أفطرت يومًا عمدًا بالأكل وليس بالجماع، فهل عليّ كفارة؟

نعم، عند المذهب المالكي، وهو المعتمد في الفتوى بالجزائر، من أفطر يومًا من رمضان عمدًا بالأكل أو الشرب بلا عذر، فقد انتهك حرمة الشهر وعليه التوبة والقضاء والكفارة المغلّظة (صيام شهرين متتابعين)، شأنه شأن من جامع.

الخاتمة: إبراء الذمة راحة للنفس

إن المبادرة إلى قضاء ما فات من صيام رمضان وأداء ما وجب من كفارات هو دليل على صدق الإيمان وتعظيم حرمات الله. إنه دين في ذمتك، وسداده واجب لا يقبل التأخير، وفي قضائه راحة للضمير، وطمأنينة للقلب، وتجديد للصلة بالله عز وجل. فلا تجعل الشيطان يثبطك بالتسويف والتهوين، بل استعن بالله وابدأ اليوم في تخطيط كيفية أداء ما عليك، فالعمر قصير والمسؤولية عظيمة.

لمواكبة أحدث الموضوعات الشرعية والنصائح الإيمانية، ندعوكم لتصفح قسم الإسلام في أخبار دي زاد باستمرار، فهو نافذتكم للمعرفة الدينية الموثوقة.

تنويه من “akhbardz”:
هذا المقال يهدف إلى التوعية والتثقيف الشرعي العام، ولا يُغني عن الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في المسائل الدقيقة أو الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى