التاريخ والتراث

أسرار المنابر التاريخية بالجزائر: شواهد الفن والأصالة

أسرار المنابر التاريخية بالجزائر: شواهد الفن والأصالة وعقود من التاريخ الإسلامي

تخيل أنك تقف في محراب مسجدٍ عتيق، يمتص الضوء الخافت المتسلل من النوافذ الجصية المعشقة بالزجاج الملون، بينما تفوح في الأرجاء رائحة خشب الأرز الأطلسي العتيق التي تعود لأكثر من تسعة قرون. في هذه اللحظة، لا يمثل المنبر مجرد درجات خشبية يرتقيها الخطيب لإلقاء وعظه، بل يتجلى كوثيقة سياسية واجتماعية وفنية حية، تحكي قصة صعود وهبوط الإمبراطوريات الإسلامية في المغرب الأوسط. إن المنابر التاريخية بالجزائر ليست مجرد قطع أثاث دينية، بل هي روائع هندسية تنبض بأسرار الصنعة الأندلسية والعمق الإفريقي والسيادة السياسية.

من سواحل الجزائر العاصمة إلى تلال ندرومة وحواضر تلمسان العريقة، سنخوض في هذا المقال الموسوعي غمار رحلة تاريخية وفنية واستكشافية حول أسرار هذه المنابر، مستندين إلى الوثائق التاريخية والدراسات الآثارية المعمقة، لنسلط الضوء على تراث مادي فريد يواجه تحديات الزمن والنسيان.

1. الخلفية التاريخية والفلسفية للمنابر في الجزائر

نشأة المنبر في الإسلام وتطوره المغاربي

بدأ المنبر في عهد الرسول محمد ﷺ كجذع نخلة بسيط، ثم تطور إلى درجات ثلاث من خشب الأثل. ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، تحول المنبر من أداة وظيفية لإيصال الصوت إلى رمز من رموز السيادة والسلطة. في بلاد المغرب الأوسط (الجزائر حالياً)، حظي المنبر بمكانة مقدسة ترتبط بكرسي الخلافة والإمامة العظمى. ولم يكن يُسمح بإقامة صلاة الجمعة والخطبة إلا في مساجد محددة تُعرف بـ “المساجد الجوامع”، وكان المنبر هو القطعة المركزية التي تُشير إلى اعتراف الإقليم بتبعيته السياسية للخليفة أو السلطان.

المدارس الفنية الحاضنة للمنابر الجزائرية

تأثرت صناعة المنابر في الجزائر بعدة مدارس فنية متعاقبة، شكلت في مجموعها ما يُعرف اليوم بالهوية الفنية المعمارية للجزائر:

  • المدرسة المرابطية (القرن 5-6 هـ / 11-12 م): تميزت بالدقة البالغة في الحفر على الخشب، والاعتماد على الأشكال الهندسية المعقدة المستوحاة من الفن القرطبي الأندلسي.
  • المدرسة الموحدية (القرن 6-7 هـ / 12-13 م): اتسمت بالانتقال نحو التقشف والوقار الفني، مع التركيز على المربعات السحرية والأشكال النجمية الثمانية والخط الكوفي المورق.
  • المدرسة الزيانية (القرن 7-10 هـ / 13-16 م): انصهرت فيها الفنون الأندلسية المتأخرة (الغرناطية) مع الفنون المحلية التلمسانية، مما أنتج تفاصيل غاية في التعقيد والترف الزخرفي.
  • المدرسة العثمانية (القرن 10-13 هـ / 16-19 م): أدخلت الرخام الأبيض والمحاريب والمنابر المبنية والمكسوة بالخزف والزليج، متأثرة بالفنون الباروكية والروكوكو الأوروبية التي امتزجت بالذوق المحلي.

ومن هنا يحرص قسم التاريخ في أخبار الجزائر على تقديم قراءات معمقة في هذه التفاصيل التاريخية التي تعيد ربط الأجيال الحالية بأمجاد أسلافهم الفنية والحضارية.

2. روائع المنابر التاريخية بالجزائر: دراسة تفصيلية لأشهر النماذج

أولاً: منبر الجامع الكبير بالجزائر العاصمة (التحفة المرابطية الخالدة)

يُعد منبر الجامع الكبير بالعاصمة أحد أقدم وأندر المنابر الخشبية المتنقلة المتبقية في العالم الإسلامي. صُنع هذا المنبر في عهد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في عام (490 هجري)، وهو معاصر تقريباً لمنبر جامع القرويين بفاس ومنبر جامع قرطبة المفقود.

“إن منبر الجامع الكبير بالجزائر ليس مجرد أثر خشبي، بل هو سِجل تاريخي حُفرت عليه أسماء صانعيه وخطوطه الفكرية التي تبرهن على وحدة الفن الإسلامي بين الأندلس والمغرب الأوسط.”
— د. جورج مارصي، عالم الآثار الفرنسي المتخصص في الفنون الإسلامية

يتكون المنبر من تسع درجات، ويتميز بجانبين (ريشتين) مُحاطين بألواح خشبية مستطيلة ومربعة ومثلثة، جُمعت معاً بواسطة لسان وفُرض (طريقة التعشيق بدون مسامير). نُقشت على هذه الألواح زخارف نباتية مورقة (توريق أندلسي) وزخارف هندسية تعتمد على النجمة الثمانية والتناظر المثالي. يحتوي المنبر على كتابة كوفية نصها يدعو للأمير المرابطي، مما يجعله وثيقة سياسية تثبت خضوع مدينة الجزائر للدولة المرابطية في ذلك الوقت.

ثانياً: منبر الجامع الكبير بتلمسان (قمة الفن الزياني المرابطي)

تلمسان، عاصمة بني زيان وحاضرة الفن والعلم، تضم الجامع الكبير الذي أُسس في عهد المرابطين وطوّره الزيانيون. منبر هذا المسجد يمثل تحفة فنية لا تُقدر بثمن. يُظهر هذا المنبر بوضوح كيف تلاقحت الخبرات الأندلسية الفارة من سقوط المدن الإسلامية في الأندلس مع الورش المحلية التلمسانية.

يتميز منبر تلمسان باستخدام تقنية التطعيم بالعاج وأخشاب الأبنوس الثمينة. الرسوم الهندسية على جانبي المنبر تتبع نظام الروCalculated Geometry، حيث تتداخل الدوائر والمربعات لتشكل نجوماً اثني عشرية بالغة التعقيد تعكس التطور العلمي والرياضي الذي شهدته تلمسان في تلك الحقبة.

ثالثاً: منبر جامع ندرومة الأثري (شاهد العصر الموحدي)

تقع مدينة ندرومة التاريخية غرب الجزائر، وتضم جامعاً عتيقاً يعود إلى العهد الموحدي. صُنع منبر هذا الجامع بأمر من الخليفة الموحدي الأول عبد المؤمن بن علي في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي (حوالي ).

منبر ندرومة يجسد الفلسفة الموحدية القائمة على البساطة والوقار والابتعاد عن الترف الزخرفي المرابطي، دون التخلي عن الدقة الهندسية. الخط الكوفي المستخدم في نقوش هذا المنبر يتميز برؤوسه المثلثة وحروفه العمودية الجافة التي تعكس الصرامة الموحدية الفكرية والسياسية.

رابعاً: منابر العهد العثماني (التحول نحو الرخام والباروك)

مع دخول الجزائر تحت حكم الخلافة العثمانية وتأسيس إيالة الجزائر، حدث تحول نوعي في بناء المنابر. لم تعد الخامات تقتصر على الخشب، بل دخل الرخام الأبيض المستورد من إيطاليا واليونان كعنصر أساسي. ومن أبرز الأمثلة:

  • منبر جامع كتشاوة: تحفة رخامية فريدة تمتزج فيها النقوش الإسلامية التركية باللمسات الفنية الأوروبية (الباروك)، وهو ما يعكس الطابع الكوزموبوليتاني لمدينة الجزائر في القرن الثامن عشر.
  • منبر جامع علي بتشين: منبر رخامي يرتكز على أعمدة رشيقة، تتوجها قبة صغيرة بصلية الشكل تحاكي الطراز العثماني الكلاسيكي في إسطنبول ولكن بلمسة معمارية محلية.
  • منبر جامع سيدي الكتاني بقسنطينة: الذي بني بأمر من صالح باي، ويمتاز بالرخام الملون والزخارف الإيطالية المطعمة بالمرمر البني والأبيض.

3. التقنيات الهندسية والفنية في صناعة المنابر الجزائرية

إن بقاء هذه المنابر الخشبية صامدة لأكثر من 900 عام في بيئة متغيرة الرطوبة والحرارة مثل سواحل وجبال الجزائر، يطرح تساؤلاً علمياً هاماً حول التقنيات الهندسية التي استخدمها الحرفيون الجزائريون والأندلسيون في تلك العصور.

1. تقنية التعشيق والخرط الخشبي (التركيب الحر)

لم يستخدم الصناع القدامى مسامير حديدية لتثبيت قطع الخشب الصغيرة المكونة لجانبي المنبر. بدلاً من ذلك، استخدموا تقنية التعشيق (Tenon and Mortise). تتيح هذه التقنية لقطع الخشب أن تتمدد وتتقلص حرارياً بحسب فصول السنة دون أن تصاب بالتصدع أو الكسر. هذه المرونة الهندسية هي السر الكامن وراء بقاء منبر الجامع الكبير بالجزائر متماسكاً حتى اليوم.

2. خشب الأرز الأطلسي: المادة المعجزة

معظم المنابر الأثرية في شمال إفريقيا صُنعت من خشب الأرز الأطلسي (Cedrus atlantica) المستخرج من غابات جبال جرجرة والبليدة والأوراس بالمغرب الأوسط. يمتاز هذا الخشب باحتوائه على زيوت عطرية طبيعية طاردة للحشرات والرمة (النمل الأبيض)، ومقاومة للفطريات والرطوبة، مما يجعله المادة المثالية للبناء التاريخي المعمر.

3. الزخارف الهندسية والكتابات الكوفية

تنقسم الزخارف على المنابر الجزائرية إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

  1. الزخارف النباتية (الرَقْش الرقمي أو الأرابيسك): تتكون من أوراق عنب خماسية، وأوراق شجر ثلاثية، ومحاليق تلتف حول نفسها في حركة لا نهائية ترمز للخلود.
  2. الزخارف الهندسية: تعتمد على حساب مثلثات متطور، وتبدأ من نقطة مركزية تتولد منها شبكات معقدة من المضلعات والنجمات الثنائية والثمانية والسداسية.
  3. الكتابة الإبيغرافية (الخط الكوفي): كانت تُستخدم لتوثيق تاريخ الصنع، واسم الحاكم، وآيات قرآنية من سورة الجمعة وسورة التوبة، مما يضفي بعداً قدسياً وتاريخياً على التحفة الفنية.

4. الأبعاد الاجتماعية والسياسية للمنبر في التاريخ الجزائري

لم يكن المنبر مجرد معلَم ديني ساكن، بل كان المحرك الأساسي للحياة العامة والسياسية في الجزائر عبر العصور:

المنبر كمنصة للشرعية السياسية

في العصر الوسيط، كانت الخطبة باسم الخليفة أو السلطان على المنبر هي الإعلان الرسمي عن ولائه السياسي. وإذا أراد أمير أو ثائر إعلان العصيان، كان يقطع الخطبة باسم الحاكم الحالي ويذكر اسم المنافس أو اسمه الشخصي. لذلك، كان السلاطين يرسلون منابر فخمة كأعظم الهدايا السياسية للمدن الكبرى لتوكيد نفوذهم وسيطرتهم.

دور المنبر في مقاومة الاحتلال الفرنسي

خلال فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر ()، تحول المنبر إلى جبهة دفاعية للحفاظ على الهوية الوطنية والإسلامية. من فوق هذه المنابر، أعلن الأئمة والعلماء الجهاد ضد المستعمر، ونظموا صفوف المقاومة الشعبية مثل مقاومة الأمير عبد القادر ومقاومة الشيخ الحداد. ولم يكن غريباً أن تعمد الإدارة الاستعمارية إلى مراقبة المنابر، ونفي الخطباء المؤثرين، وتحويل بعض الجوامع إلى كنائس أو مخازن للجيش الفرنسي لإسكات صوت المنبر.

5. التراث والآثار المتبقية: جدول مقارن ومخطط زمني

لتسهيل قراءة التطور التاريخي للمنابر بالجزائر، يُلخص الجدول التالي الخصائص الفنية والهندسية لأبرز خمسة منابر أثرية في البلاد:

اسم المنبرالحقبة التاريخيةالموقع الحاليالمادة الأساسيةأهم ميزة زخرفية وفنية
منبر الجامع الكبير بالجزائرالمرابطون (490 هـ / 1097 م)الجامع الكبير (الجزائر العاصمة)خشب الأرز الأطلسيألواح هندسية متعشقة مزينة بنقوش نباتية وخط كوفي مرابطي
منبر جامع ندرومةالموحدون (540 هـ / 1145 م)المتحف الوطني للآثار القديمة والفنون الإسلاميةخشب الأرز الفاخركتابة تاريخية تخلد الخليفة عبد المؤمن بن علي ببساطة ووقار موحدي
منبر جامع تلمسان الكبيرالزيانيون / المرابطونالجامع الكبير (تلمسان)الخشب المطعّم بالعاج والأبنوستداخل هندسي معقد يعتمد على النجوم الاثني عشرية والأشكال الغرناطية
منبر جامع كتشاوةالعثمانيون (القرن 18 م)جامع كتشاوة (القصبة، العاصمة)الرخام الأبيض الإيطالينقوش بارزة على الرخام تمتزج فيها الزخرفة الإسلامية بأسلوب الباروك
منبر جامع سيدي الكتانيالعثمانيون (عهد صالح باي)مسجد سيدي الكتاني (قسنطينة)الرخام الملون والمرمرأعمدة رخامية رشيقة مزدانة بتيجان مزخرفة ونقوش محفورة بدقة

المخطط الزمني لتطور صناعة المنابر بالجزائر

  • 1097 م: تشييد منبر الجامع الكبير بالجزائر العاصمة، وتأسيس مدرسة الحفر المرابطية على خشب الأرز.
  • 1145 م: ظهور منبر ندرومة الموحدي الذي أدخل مفهوم التقشف الفني والخط الكوفي الأندلسي المغاربي المتميز بحروفه الحادة.
  • القرن 14 م: ازدهار صناعة الخشب التلمسانية المطعمة بالعاج تحت رعاية ملوك بني زيان، ومحاكاة روائع الفنون الأندلسية الغرناطية.
  • القرن 16-18 م: التحول التدريجي من الخشب إلى الرخام الأبيض والمرمر والمنابر الثابتة المدمجة في جدار المحراب بتأثير عثماني مباشر.
  • 1830 م فصاعداً: فترة حظر وتضييق استعماري على المنابر، تبعها بعد الاستقلال () إطلاق مشاريع وطنية لحماية وترميم هذه الكنوز التراثية.

6. الواقع الحالي للمنابر وجهود الصيانة والترميم

تواجه المنابر الخشبية الأثرية في الجزائر تحديات بيئية وبشرية جسيمة تهدد بقاءها للأجيال القادمة. الخشب مادة حية تتأثر بالتغيرات المناخية، الرطوبة العالية في المدن الساحلية مثل الجزائر العاصمة، والجفاف الشديد في المناطق الداخلية، مما يعرض هذه الكنوز لخطر التشقق والتقصف.

جهود الترميم الوطنية والدولية

في السنوات الأخيرة، أطلقت وزارة الثقافة والفنون الجزائرية بالتعاون مع منظمات دولية مثل منظمة اليونسكو ومؤسسات بحثية ألمانية وفرنسية، ورشات عمل متخصصة لترميم منبر الجامع الكبير بالجزائر ومنبر ندرومة.

شملت هذه الجهود:

  • التعقيم البيولوجي للخشب لمنع التسوس والقضاء على الفطريات والنمل الأبيض.
  • تثبيت الأجزاء الآيلة للسقوط باستخدام مواد طبيعية لا تؤثر على طبيعة الخشب الأثري.
  • التحكم في مستويات الرطوبة والإضاءة داخل المتاحف والمساجد التي تضم هذه المنابر.
  • التوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد (3D Scanning) لحفظ التصاميم الهندسية والزخرفية وإتاحتها للباحثين حول العالم عبر منصات مثل متحف بلا حدود (Museum With No Frontiers).

7. تحذير: أخطاء شائعة ومفاهيم مغلوطة في تاريخ المنابر الجزائرية

تنتشر في بعض المواقع غير المتخصصة ووسائل التواصل الاجتماعي معلومات غير دقيقة حول المنابر الأثرية بالجزائر. نسرد هنا أهم هذه الأخطاء لتصحيحها بناءً على الدراسات الآثارية الموثقة:

الخطأ الأول: القول بأن كل المنابر الخشبية الأثرية استوردت جاهزة من الأندلس
التصحيح العلمي: تشير الدراسات التحليلية لنوعية الأخشاب وأسلوب النقش إلى وجود ورشات عمل محلية نشطة في مدن مثل تلمسان وبجاية وندرومة والجزائر العاصمة. ورغم استعانة الحكام بصناع ومهندسين أندلسيين، إلا أن التنفيذ والإنتاج تم بمواد محلية (كخشب الأرز الأطلسي) وبمشاركة صناع جزائريين طوروا أسلوباً مغاربياً متميزاً.

الخطأ الثاني: الخلط بين الفن المرابطي والفن الموحدي في الزخرفة
التصحيح العلمي: الفن المرابطي يتميز بالترف الزخرفي، وتغطية كامل المساحات بالنقوش (خوف الفراغ)، واستخدام خط كوفي مورق ومضفر. أما الفن الموحدي فجاء كرد فعل عقائدي تميز بالتقشف والوقار الهادئ، والاعتماد الأكبر على الخطوط الهندسية المستقيمة والمربعات والدوائر المتداخلة والخط الكوفي المبسط.

الخطأ الثالث: الاعتقاد بأن المنابر الرخامية العثمانية طمست الهوية المحلية
التصحيح العلمي: المنابر العثمانية في الجزائر لم تكن نسخاً كربونية من منابر إسطنبول، بل اندمجت مع التراث الزخرفي المحلي المعقد، وظهر ما يسمى “الطراز الجزائري العثماني المتميز” الذي يجمع بين هيبة الرخام التركي وجمال الخزف والزليج الأندلسي والجزائري.

8. خطوات عملية وتوجيهات للباحثين والزوار

إذا كنت طالباً في الهندسة المعمارية، باحثاً في التاريخ الإسلامي، أو سائحاً شغوفاً بالتراث الثقافي، نقدم لك هنا دليلاً عملياً لكيفية استكشاف ودراسة هذه المعالم التاريخية:

أولاً: دليل زيارة المنابر التاريخية بالجزائر

  • جامع الجزائر الكبير (العاصمة): يمكنك زيارة الجامع في قلب العاصمة التاريخي، وننصح بزيارة المتحف الوطني للآثار القديمة والفنون الإسلامية القريب منه، حيث تُعرض بعض الألواح الخشبية التاريخية الأصلية والمنابر المحفوظة لحمايتها من العوامل الجوية.
  • جامع تلمسان الكبير وجامع سيدي بومدين: تلمسان متحف مفتوح. احرص على زيارة المسجدين في الصباح الباكر للاستفادة من الإضاءة الطبيعية التي تبرز تفاصيل الحفر الخشبي والنقوش الجصية للمحاريب والمنابر.
  • مسجد ندرومة العتيق: للوصول إلى ندرومة، يمكنك الانطلاق من تلمسان (حوالي 60 كم شمالاً). تمتاز المدينة بطابعها المغاربي التقليدي المحافظ، وتمنحك زيارة مسجدها فرصة فريدة لمعاينة العمارة الموحدية الأصلية.

ثانياً: دليل البحث الأكاديمي والتوثيق للمنابر

لإعداد ورقة بحثية أو دراسة أكاديمية حول المنابر الجزائرية، نقترح عليك اتباع الخطوات التالية:

  1. الدراسة الإبيغرافية (Epigraphy): ركز على قراءة الخطوط المنقوشة على المنابر، وحلل نوع الخط الكوفي، وتاريخ الصنع، والألقاب السياسية المذكورة، وقارنها بالمسكوكات (العملات) الصادرة في نفس العهد.
  2. التحليل الميكرومتري للأخشاب: تتبع دراسة أنواع الغابات ومصادر الخشب المستخدم وفحصه مخبرياً لمعرفة تقنيات التجفيف والمعالجة الكيميائية القديمة التي حمت الخشب من التلف.
  3. الاعتماد على قواعد البيانات الدولية: يمكنك الاستعانة بمنصة أرشيف أركنت الدولي للعمارة الإسلامية (Archnet) للحصول على مخططات هندسية وصور عالية الدقة وتوثيق مقارن للمنابر التاريخية في حوض البحر الأبيض المتوسط.

9. الأسئلة الشائعة (FAQ) حول المنابر التاريخية بالجزائر

ما هو أقدم منبر خشبي محفوظ في الجزائر حالياً؟

أقدم منبر خشبي محفوظ هو منبر الجامع الكبير بالجزائر العاصمة، والذي يعود للعهد المرابطي وتحديداً لعام 1097 ميلادي (490 هجري)، وصُنع بأمر من أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ويتميز بزخارفه ونقوشه الكوفية الفريدة.

لماذا صنعت بعض المنابر الجزائرية القديمة لتكون قابلة للحركة على عجلات؟

صُنعت المنابر لتكون متحركة لغرض وظيفي وعقائدي؛ حيث كان المنبر يُحفظ في حجرة خاصة بجانب المحراب (تُعرف بدار المنبر) ولا يتم إخراجه إلا وقت خطبة الجمعة لإفساح المجال للمصلين في الصفوف الأولى وتجنب قطع صفوف الصلاة بحسب الفقه المالكي السائد في المنطقة.

ما هو نوع الخشب الأساسي المستخدم في هذه المنابر وكيف صمد لقرون؟

الخشب الأساسي هو خشب الأرز الأطلسي المستخرج من جبال الجزائر. صمد هذا الخشب لقرون بفضل احتوائه الطبيعي على راتنجات وزيوت عطرية تمنع تسوسه وتطرد الحشرات والنمل الأبيض، بالإضافة لتقنية “التعشيق” التي سمحت للخشب بالتمدد والتقلص حسب درجات الحرارة دون تكسر.

كيف أثرت الفنون الأندلسية على تصميم المنابر التاريخية بالجزائر؟

انتقلت الفنون الأندلسية عبر هجرات الحرفيين المتتالية من قرطبة وإشبيلية وغرناطة إلى الجزائر. تجلى هذا التأثير في استخدام الأشكال الهندسية النجمية المعقدة، التوريق النباتي (الأرابيسك)، والخط الكوفي المورق، والتطعيم بالعاج والأبنوس، مما جعل المنابر الجزائرية تؤاماً لمنابر الأندلس الشهيرة كمنبر قرطبة.

10. الخاتمة

في نهاية هذه الرحلة المعمقة بين ثنايا التاريخ والجمال، ندرك أن المنابر التاريخية بالجزائر لم تكن مجرد درجات يرتقيها الخطباء، بل هي شواهد حية على عبقرية الصانع الجزائري، وعمق تواصله الحضاري مع محيطه المغاربي والأندلسي والعثماني. إنها قطع فنية تختزل قروناً من العلم، والسياسة، والمقاومة، والهوية الوطنية التي أثبتت جدارتها في الصمود أمام عوامل الزمن والطمس.

إن الحفاظ على هذا الإرث المادي هو مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود الأكاديمية والتقنية والمؤسساتية لتظل هذه الكنوز شامخة، تروي للأجيال المتعاقبة قصص المجد والأصالة الفنية للجزائر.


اكتشف المزيد من قصص تاريخ الجزائر وتراثها العريق من خلال تصفح قسم التاريخ في أخبار الجزائر.

شاركنا رأيك: ما هي القصة التاريخية أو المعلم الأثري الجزائري الذي تود أن نغطيه بالتفصيل في مقالاتنا القادمة؟

إذا أعجبك هذا المقال، لا تتردد في مشاركته مع أصدقائك المهتمين بالتاريخ والتراث الجزائري والعربي.

المصادر والمراجع

  • مارصي، جورج. العمارة الإسلامية في الغرب الإسلامي: تونس، الجزائر، المغرب، وإسبانيا. باريس: دار الفنون والآثار، 1954.
  • بلحسين، عبد القادر. التحف الخشبية في المساجد الأثرية الجزائرية خلال العهدين المرابطي والموحدي. أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر، 2011.
  • شينوي، إسماعيل. النقوش والكتابات على المنابر والمحاريب في المغرب الأوسط. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2005.
  • منظمة اليونسكو. تقرير حماية وصيانة التراث الإسلامي في شمال إفريقيا: مساجد تلمسان والجزائر العاصمة. موقع اليونسكو الرسمي للتراث العالمي.
  • موقع متحف بلا حدود (Museum With No Frontiers). الفن الإسلامي في البحر الأبيض المتوسط: الجزائر. بوابة الفن الإسلامي المشتركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى