الأمازيغية في الجزائر: جذور الهوية وتاريخ الأجداد

الأمازيغية في الجزائر: رحلة عبر التاريخ، جذور الهوية، وإرث الأجداد الخالد
“من قمم جرجرة المكسوة بالثلج، إلى سهول الأوراس الشامخة، وعمق الصحراء الكبرى في التاسيلي، تقف حجارة الجزائر شاهدة على حضارة صلبة صاغها الأمازيغ عبر ألوف السنين. ليست الأمازيغية مجرد لغة أو فولكلور، بل هي شريان الهوية الوطنية الجزائرية ومحتد الأجداد الأول.”
هل تساءلت يوما كيف استطاع الأمازيغ في الجزائر الموازنة بين الحفاظ على أصالتهم الضاربة في عمق التاريخ وبين الاستيعاب الحضاري والإسهام الفعال في المنجز الإنساني والإسلامي؟ إن تاريخ الأمازيغ في الجزائر (Imazighen) ليس فصلاً منسياً في كتاب القدماء، بل هو ملحمة ممتدة من المقاومة، والبناء المعماري، والتنظيم الاجتماعي المحكم الذي شكّل ملامح الشخصية الجزائرية المعاصرة.
في هذا المقال التوثيقي المعمق الصادر عبر موقع أخبار الجزائر، نأخذكم في رحلة استكشافية شاملة تعبر بنا من العصر الحجري المتأخر والممالك النوميدية العظمى، مروراً بالعصور الإسلامية الذهبية وملاحم المقاومة ضد الاستعمار، وصولاً إلى الواقع الثقافي واللغوي الراهن للأمازيغية في الجزائر. سنتعرف على التفاصيل المهملة، ونفكك المفاهيم المغلوطة، ونستعرض الأدلة الأثرية والأنثروبولوجية التي تجعل من التراث الأمازيغي الإفريقي ركيزة لا تنفصل عن ذاكرة الأمة.
1. الجذور التاريخية والنشأة: من قبل التاريخ إلى الممالك النوميدية
تشير الاكتشافات الأثرية في موقع “عين الحنش” بولاية سطيف إلى أن أرض الجزائر كانت مأهولة بالبشر منذ ما يزيد عن مليوني عام، غير أن تشكل الملامح الثقافية والأنثروبولوجية الأولى لـ “الأمازيغ” (والتي تعني بلغتهم: الإنسان الحر) ارتبط بشكل وثيق بالثقافة القبصية (Civilisation Capsienne) خلال العصر الحجري الحديث (نحو 10,000 إلى 6,000 سنة قبل الميلاد).
الحضارة القبصية وتشكيل العنصر الأمازيغي الأول
أظهرت الحفريات في مناطق الهضاب العليا والشرق الجزائري أن “الرجال الكبار” أو Proto-Berbers طوّروا أدوات حجرية دقيقة، ومارسوا طقوساً جنائزية وفنية، وتركوا نقوشاً صخرية فريدة تتجلى في صحراء الجزائر (التاسيلي نأجر والهقار). تفصح هذه النقوش عن مجتمعات رائدة مارست الرعي والفلاحة وصيد الحيوانات، واستخدمت الرموز والأشكال التي تطورت لاحقاً لتشكل الأبجدية الأمازيغية القديمة (التيفيناغ).
عصر الممالك النوميدية: العصر الذهبي للسيادة المبكرة
مع حلول ألفية ما قبل الميلاد الأولى، تحول الأمازيغ في شمال أفريقيا من التنظيم القبلي إلى الكيانات السياسية المعقدة. وظهرت على أرض الجزائر مملكتان نوميديتان رئيسيتان لعبتا دوراً محورياً في الصراع الميداني بين قرطاج ورما:
- مملكة النوميديين الماسيل (Massyles): وكانت تستقر في الشرق الجزائري وعاصمتها “سيرتا” (قسنطينة حالياً)، ومن أبرز ملوكها الملك الشاب ماسينيسا (Massinissa).
- مملكة النوميديين المازايسيل (Masaesyli): وكانت تسيطر على الغرب الجزائري وعاصمتها “سيقا” (عين تموشنت حالياً)، تحت حكم الملك صيفاقس (Syphax).
نجح الملك ماسينيسا (202 – 148 ق.م) في توحيد النوميديين وتأسيس دولة نوميديا الموحدة تحت شعار شهير رفعه وتوارثته الأجيال: “إفريقيا للأفريقيين”. شهدت نوميديا في عهده نهضة زراعية واقتصادية وشكّلت عماد الاستقرار في المنطقة، حيث تم ضرب العملة النوميدية، وتطوير بناء المدن مثل “سيرتا” و”طبارقة” و”تيمقاد”.
ملحمة يوغرطة والمقاومة ضد الهيمنة الرومانية
لم تستمر العلاقة السياسية بين النوميديين والرومان على نهج واحد. فبعد وفاة ماسينيسا، حاول الرومان تجزئة المملكة، مما أدى إلى ظهور قائد مقاوم فذ هو الملك يوغرطة (Jugurtha). خاض يوغرطة حرباً دروساً ضد الإمبراطورية الرومانية عُرفت تاريخياً بـ “حرب يوغرطة” (112 – 105 ق.م)، وصفتها المصادر الرومانية – مثل المؤرخ سالوست (Sallust) – بأنها من أعنف الحروب التي خاضتها روما، حيث اعتمد يوغرطة على حرب العصابات والاستغلال الأمثل لطبغرافية الجزائر الجبلية والصحراوية.
“مدينة روما للبيع، وسوف تسقط قريباً إذا وجدت المشتري!”
2. الأمازيغ في العصر الإسلامي: التحول الحضاري والإسهام السياسي
شكّل وصول الفتوحات الإسلامية إلى المغرب العربي في القرن السابع الميلادي نقطة تحول مفصلية في تاريخ الأمازيغ في الجزائر. ورغم المقاومة الشديدة التي أبداها بعض القادة الأمازيغ في البداية لحماية استقلالهم السياسي – مثل أكسيل (Kusaila) والملكة ديهيا (المعروفة بالكاهنة) – إلا أن اندماج الأمازيغ في الدين الإسلامي جاء عميقاً وطوعياً بمجرد إدراكهم لمبادئ المساواة والعدل التي يحملها الإسلام.
الدول الإسلامية ذات الجذور الأمازيغية في الجزائر
لم يكن الأمازيغ مجرد متلقين للحضارة الإسلامية، بل كانوا صنّاعاً ورعاة لها. وقد شهدت أرض الجزائر تأسيس دويلات وإمارات إسلامية ذات قيادة وإدارة أمازيغية أصيلة، أسهمت في تشكيل المشهد الفكري والمعماري للمنطقة:
- الدولة الرستمية (776 – 909 م): تأسست في تاهرت (تيارت حالياً) على يد عبد الرحمن بن رستم، واعتمدت على تحالف القبائل الأمازيغية النواحي الغربية والوسطى (مثل نفوسة ولواتة وسدراتة)، وغدت تاهرت مركزاً تجارياً وفكرياً عالمياً يُلقب بـ “بلخ المغرب”.
- الدولة الحمادية (1014 – 1152 م): تأسست على يد حماد بن بولقين بن زيري (من قبيلة صنهاجة الأمازيغية). أنشأ الحماديون عاصمتهم الأولى “قلعة بني حماد” بمقرة (ولاية المسيلة)، ثم انتقلوا إلى “بجاية” (الناصرية) التي أصبحت منارة للعلم والعلماء وقبلة للرحالة والعلماء الأوربيين (مثل الفلكي والإيطالي ليوناردو فيبوناتشي).
- الدولة الزيانية (1235 – 1556 م): تأسست في تلمسان على يد يغمراسن بن زيان (من قبيلة بني عبد الواد الأمازيغية). خاض الزيانيون ملاحم دفاعية لحماية الثغور الجزائرية وشكّوا حلقة وصل حضارية بين المغرب الأوسط والأندلس.
ولم يقتصر التأثير الأمازيغي على الجزائر فحسب، بل امتد ليشكل عصب جيوش الفتوحات الإسلامية في الأندلس تحت قيادة القائد الأمازيغي طارق بن زياد، بالإضافة إلى الدور المحوري لقائل صنهاجة ومصمودة وزناتة في بناء وإدارة دولتي المرابطين والموحدين.
4. المقاومة الأمازيغية خلال العصر الاستعماري والثورة التحريرية
حين وطأت أقدام الاستعمار الفرنسي أرض الجزائر عام 1830، كانت المناطق الأمازيغية في مقدمة الصفوف للتصدي للمحتل الغاشم. شكلت الطبغرافية الجبلية الوعرة والروح القتالية المستمدة من قيم الحرية الأمازيغية عائقاً حصيناً أمام التوسع الاستعماري العقود الأولى.
أعلام المقاومة الشعبية في المناطق الأمازيغية
شهدت المناطق الأمازيغية في الجزائر ميلاد ثورات شعبية عارمة هزت أركان الإدارة الاستعمارية الفرنسية:
- لالا فاطمة نسومر (1830 – 1863): خنسوات جرجرة، القائدة الروحية والعسكرية التي قادت قبائل زواوة في منطقة جرجرة ودحرت الجيوش الفرنسية في معارك متعددة مثل معركة “آث إيراتن” و”سباو”.
- الشيخ المقراني والشيخ الحداد (ثورة 1871): ملحمة تاريخية انطلقت من مجانة والمدية وجرجرة والأوراس، حيث تحالفت الطرق الصوفية (الرحمانية) مع القيادات القبائلية لتفجير أكبر ثورة شعبية في القرن التاسع عشر ضد قانون “كركريميو” وحصائر المصادرة.
- مقاومة الطوارق (الشريف بن الأحرش والأمنوكال حاج أعمود): خاض الطوارق في أقصى الجنوب الجزائري معارك طاحنة دفاعاً عن الصحراء الجزائرية لمنع التغلغل الاستعماري جنوباً (معركة الإيسين 1913).
مؤتمر الصومام 1956 وحرب التحرير الوطني
خلال ثورة أول نوفمبر 1954 المجيدة، شكلت المناطق الأمازيغية (ولاية جرجرة – الولاية الثالثة، وولاية الأوراس – الولاية الأولى) المعقل الحصين لجيش التحرير الوطني (ALN). وفي قلب منطقة القبائل، وتحديداً في قرية “إفري أوزلاقن” بولاية بجاية، انعقد مؤتمر الصومام التاريخي في بقيادة عبان رمضان والعربي بن مهيدي، والذي وضع الهيكل التنظيمي والمؤسساتي للثورة الجزائرية.
كما أن كبار قادة ومخططي الثورة التحريرية ينتمون إلى هذه الأصول التليدة؛ أمثال: مصطفى بن بولعيد (أبو الثورة في الأوراس)، كريم بلقاسم، حسين أيت أحمد، وعميروش أيت حمودة، والذين قدموا أرواحهم فداءً للجزائر المستقلة والموحدة.
5. التراث المادي والمعنوي: العمارة، الفنون، والعادات
التراث الأمازيغي في الجزائر ليس مجرد مقتنيات أثرية داخل المتاحف، بل هو نمط حياة حي يتجلى في تفاصيل اليومي للجزائريين من الشمال إلى الجنوب.
الهندسة المعمارية التراثية الأمازيغية
تعتبر العمارة الأمازيغية نموذجاً عالمياً للهندسة المستدامة والصديقة للبيئة (Bioclimatic Architecture):
- قصور وادي ميزاب (غرداية): المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. تمتاز بأسوارها، ومنازلها المتراصة المصبوغة بالجير والألوان الترابية، ومآذنها الهرمية الفريدة التي ألهمت كبار مهندسي العالم مثل “لوكوربوزييه” (Le Corbusier).
- القصور التارقية (إيغرم) في الصحراء: شُيدت بالطين والجريد لتقاوم الحرارة العالية وتوفر بيئة رطبة ومريحة لسكّان الواحات.
- الدشرات الأوراسية وقرى الجرجرة: منازل مبنية بالحجارة المحلية وأخشاب الأرز والصنوبر، تتدرج على قمم الجبال لحفظ الأراضي الزراعية في الأودية.
الصناعات التقليدية والحرف اليدوية
تزخر الجزائر بمنتجات حرفية أمازيغية تحمل رموزاً وشفرات سيمائية ذات دلالات عقائدية وتاريخية:
أبرز الحرف التراثية الأمازيغية:
- الحلي الفضية (آث يني والأوراس): حلي مرصعة بالمرجان الأحمر والمينا الملونة (الأصفر، الأخضر، الأزرق)، وتعتبر رمزاً للعز والأصالة للمرأة الأمازيغية.
- الفخار الأمازيغي: أوانٍ طينية يصنعها النساء بأيديهن وتزين بالرموز الهندسة القديمة المستمدة من خط التيفيناغ وشجر الزيتون والنباتات.
- الزرابية (سجاد جبل عمور وششار وتلمسان): نسيج صوفي دافئ يعكس قصص وروايات شفهية تحكيها النسابات عبر الأشكال الهندسية.
- اللباس التقليدي: “الجبة القبائلية” الملونة، “الملحفة الأوراسية”، و”البرنوس” الصوفي الأبيض الذي يرمز للهيبة والرجولة.
رأس السنة الأمازيغية “يناير” (Yennayer): رمزية الأرض والخصب
يحتفل الجزائريون في من كل عام برأس السنة الأمازيغية “يناير” (والذي يعود تقويمه إلى سنة 950 قبل الميلاد، تاريخ اعتلاء الملك النوميدي الأمازيغي شيشنق الأول عرش مصر الفرعونية). يُعد يناير عيداً وطنياً ورسمياً مدفوع الأجر في الجزائر بموجب مرسوم رئاسي صدر عام 2017.
يرتبط يناير بالتقويم الفلاحي وبداية السنة الزراعية، حيث تجتمع الأسر الجزائرية حول مائدة “الشرشم” أو “أوركيمن” وقصعة “الكسكسي” باللحم والسبع خضار (إسقاس أمقاس)، في أجواء تكرس التضامن والارتباط بالأرض.
6. تصحيح المفاهيم المغلوطة في التاريخ الأمازيغي
تعرض التاريخ الأمازيغي في شمال أفريقيا لبعض التشويش والقراءات الاستعمارية السطحية خلال القرن التاسع عشر. وفيما يلي نبرز أهم التصحيحات الأكاديمية المدعومة بالوثائق:
1. مفاد كلمة “بربر” مقابل “أمازيغ”
كلمة “بربر” (Berbers) هي مصطلح أطلقه الرومان والإغريق قدامى على كل شعب لا يتكلم اللغتين اليونانية أو اللاتينية (Barbarian). أما الاسم الأصلي الذاتي الذي أطلقه السكان على أنفسهم منذ القدم فهو “إيمازيغن” (Imazighen)، ومفرده “أمازيغ”، وتنسج المعاجم التراثية معناه حول “الإنسان الحر الشريف”.
2. التكامل الأمازيغي-العربي: لا تصادم بل التحام حضاري
حاولت المدرسة الاستعمارية الفرنسية إرساء ما يُعرف بـ “الأسطورة البربرية” (Le Mythe Berbère) بهدف شق الصف الوطني الجزائري وإيجاد صراع وهمي بين مكونات الشعب. غير أن الواقع التاريخي يثبت أن الأمازيغية والعربية انصهرتا في بوتقة واحدة تحت مظلة الإسلام؛ فالعلماء الأمازيغ هم من خدموا اللغة العربية وآدابها (مثل ابن معطي الزواوي صاحب أول ألفية في النحو، والإمام البوصيري صاحب البردة)، كما اعتمدت القبائل العربية والبربرية المصاهرة والتحالف الأخوي لمواجهة الأخطار الخارجية.
7. التسلسل الزمني للأحداث التاريخية الكبرى للأمازيغ في الجزائر
يلخص الجدول التالي المحطات المفصلية لتاريخ الأمازيغ على أرض الجزائر:
| الفترة الزمنية | الحدث التاريخي | الأهمية والدلالة الوطنية |
|---|---|---|
| 10,000 – 6,000 ق.م | ازدهار الحضارة القبصية ورسوم التاسيلي | تشكل الملامح الثقافية والفنية والأبجدية الأولى للأمازيغ. |
| 950 ق.م | اعتلاء شيشنق الأول عرش مصر | مبدأ التقويم الأمازيغي المعتمد (بداية تأريخ يناير). |
| 202 ق.م | تأسيس مملكة نوميديا الموحدة علي يد ماسينيسا | قيام أول دولة مركزية أمازيغية متطورة العاصمة “سيرتا”. |
| 112 – 105 ق.م | حرب يوغرطة ضد روما | مقاومة عسكرية ضارية ضد التوسع والإمبراطورية الرومانية. |
| القرن 8 الميلادي | اعتناق الأمازيغ للإسلام والترحيـب بالفاتحين | بداية العصر الإسلامي والمشاركة في فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد. |
| 1014 – 1152 م | تأسيس الدولة الحمادية وعاصمتها بجاية | نهضة علمية ومعمارية جعلت من بجاية قبلة لعلماء أوروبا والعالم الإسلامي. |
| 1857 – 1871 م | ثورات لالا فاطمة نسومر والمقراني والحداد | المقاومة الشعبية الأمازيغية ضد الاستعمار الفرنسي في جرجرة والأوراس. |
| 1956 م | انعقاد مؤتمر الصومام في إفري أوزلاقن | وضع الهيكلة السياسية والعسكرية لثورة التحرير المظفرة. |
| 2002 – 2016 م | ترسيم وتكريس اللغة الأمازيغية في الدستور الجزائري | الاعتراف الأمازيغية كـ لغة وطنية ورسمية إلى جانب اللغة العربية. |
| 2017 م | إقرار يناير عطلة الوطنية رسمية مدفوعة الأجر | ترسيم البعد التراثي الأمازيغي كرمز للملاذ والهوية الوطنية المشتركة. |
8. دليل البحث والتجربة: كيف تكتشف التراث الأمازيغي الجزائري اليوم؟
إذا كنت باحثاً، سائحاً، أو مهتماً باستكشاف غنى التراث الأمازيغي ميدانياً في الجزائر، يقدم لك محررو أخبار الجزائر هذا الدليل العملي:
أهم المواقع الأثرية والمعالم التاريخية للزيارة:
- ضريح إمدغاسن (ولاية باتنة): أقدم ضريح نوميدي ملكي في شمال أفريقيا يرجع للقرن الثالث قبل الميلاد، ويمتاز بهندسته الكلاسيكية الفاخرة.
- ضريح الملك المازيلي “سيقـا” (ولاية عين تموشنت): شاهد تاريخي على عظمة مملكة المازايسيل والملك صيفاقس.
- الضريح الملكي الموريتاني “تيبازة”: معلم أثري مذهل يقع على تلة مطلة على البحر الأبيض المتوسط.
- قلعة بني حماد (ولاية المسيلة): أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، تتضمن بقايا مأذنة القلعة والقصر الملكي الحمادي.
- مدن وادي ميزاب السبع (ولاية غرداية): جولة حية بين العمارة الأمازيغية الفريدة، والأسواق التراثية للزرابي والحلي.
نصائح للباحثين والأكاديميين:
للحصول على المراجع التوثيقية الموثوقة حول التاريخ واللسانيات الأمازيغية، يُنصح بالرجوع إلى المؤسسات الوطنية التالية:
- المحافظة السامية للأمازيغية (HCA): الهيئة الرسمية التابعة لرئاسة الجمهورية الجزائرية المكلفة بترقية وتعميم اللغة والتراث الأمازيغي. يمكنك الاطلاع على إصداراتها عبر الموقع الرسمي للمحافظة السامية للأمازيغية.
- المركز الوطني للبحوث في ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ (CNRPAH): بالجزائر العاصمة، ويحتوي على أراشيف ونشريات قيمة حول الآثار الأمازيغية.
- جامعات تيزي وزو، بجاية، باتنة، وبويـرة: وتضم أقساماً متخصصة في اللغة والثقافة الأمازيغية (Départements de langue et culture amazighes).
9. الأسئلة الشائعة حول الأمازيغية في الجزائر (FAQ)
س1: ما هو الوضع القانوني والدستوري للغة الأمازيغية في الجزائر اليوم؟
ج: تضمن التعديل الدستوري لسنة 2002 الاعتراف باللغة الأمازيغية كـ “لغة وطنية”، ثم تم التعديل التاريخي في دستوري 2016 و2020 لترسيمها رسمياً كـ “لغة وطنية ورسمية” إلى جانب اللغة العربية. وتعمل الدولة من خلال “المجمع الجزائري للغة الأمازيغية” على ترقيتها وتطويرها في المناهج والمؤسسات.
س2: ما معنى كلمة “أمازيغ” في المعاجم التاريخية؟
ج: تعني كلمة “أمازيغ” (جمعها إيمازيغن) في اللغة الأمازيغية القديمة: “الرجل الحر”، “النبيك”، أو “الشريف الذي لا يخضع للعبودية”. وتجسد هذه الكلمة المنظومة القيمية المحورية للتاريخ الأمازيغي.
س3: هل يقتصر التواجد الأمازيغي في الجزائر على منطقة القبائل فقط؟
ج: لا، هذا مفهوم خاطئ شائع. يتواجد الأمازيغ وتراثهم في مختلف ربوع الجزائر: في الأوراس (الشاوية)، غرداية ووادي ميزاب (الميزابيون)، أقصى الجنوب (الطوارق)، تيبازة وشرشال (الشناوة)، بني سنوس بتلمسان، وشلخ شلفة والضاية، بالإضافة إلى الاندماج الاجتماعي الشامل لكافة فئات الشعب الجزائري في المدن الكبرى.
س4: ما هي العلاقة بين الأبجدية الأمازيغية (التيفيناغ) والنقوش الصخرية بالصحراء؟
ج: خط “التيفيناغ” هو الامتداد المباشر للكتابة اللبية-الأمازيغية القديمة التي عُثر عليها منقوشة على صخور جبال الهقار والتاسيلي والأوراس. وتعتبر أشكال التيفيناغ من أقدم أنظمة الأبجديات الرمزية والصوتية في العالم.
10. الخاتمة: الأمازيغية شريان الذاكرة الوطنية الجامعة
ختاماً، يتضح جلياً أن الأمازيغية في الجزائر ليست مجرد صفحة من الماضي المطوي، بل هي ركيزة حية وشريان مغذٍ للهوية الوطنية الجزائرية المتكاملة. من تضحيات ملوك نوميديا العظام، إلى حكمة شيوخ “تجماعت”، وإبداع الحرفيين والمفكرين الأمازيغ عبر العصور الإسلامية وحرب التحرير، يظل هذا الإرث التليد مبعث فخر لكل جزائري وجزائرية.
إن الحفاظ على هذا التراث التليد، وتدريسه للأجيال الناشئة، وصيانة معالمه المادية وشواهده اللسانية، هو واجب وطني وأخلاقي نضمن به استمرار الذاكرة التاريخية للجزائر قوية، عصية على الاندثار، ومعتزة بجذور أجدادها الأحرار.
اكتشف المزيد من قصص تاريخ الجزائر وتراثها العريق من خلال تصفح قسم التاريخ في موقع أخبار الجزائر.
شاركنا رأيك في التعليقات: ما هي القصة التاريخية أو المعلم التراثي الأمازيغي الذي تود أن نغطيها في مقالاتنا القادمة؟
إذا أعجبك هذا المقال التوثيقي، لا تتردد في مشاركته مع أصدقائك والمهتمين بالتاريخ والتراث الجزائري لتعميم الفائدة!





3. التنظيم الاجتماعي، اللغوي، والثقافي للأمازيغ
يمتاز المجتمع الأمازيغي في الجزائر بهيكلية اجتماعية فريدة تجمع بين الديمقراطية المباشرة والتضامن القبلي المحكم، وهو ما مكّنه من الصمود أمام موجات التغيرات السياسية عبر العصور.
نظام “تجماعت” (Tajma’at): الديمقراطية القبلية الأصيلة
يُعد نظام “تجماعت” (مجلس أعيان القرية أو الدشرة) أحد أقدم الأنظمة السياسية المحلية في العالم. يتكون المجلس من أعيان وكبار ورجال القرية، ويجتمع في مكان مفتوح يسمى “التجمعت” لاتخاذ القرارات السياسية، والاقتصادية، والقضائية. يتميز هذا النظام بالخصائص التالية:
التنوع اللغوي والألسني للأمازيغية في الجزائر
اللغة الأمازيغية (Tamaziɣt – تامزيغت) هي لغة إفريقية-آسيوية تتوزع في الجزائر على عدة تنوعات ألسنية محلية غنية، حيث يحافظ كل إقليم على لهجته الخاصة ضمن شجرة اللغة الأم:
خط “التيفيناغ” (Tifinagh): الأبجدية التاريخية الأصيلة
يُعتبر خط **التيفيناغ** من أقدم نظم الكتابة في العالم التي لا تزال مستعملة. وتُظهر النقوش الأبجدية اللبية-الأمازيغية (Libyco-Berber) المكتشفة في منطقة “تاسيلي نأجر” والأوراس والجلفة أن الأمازيغ دونوا بها رسائلهم وشواهد قبورهم منذ أكثر من 3000 عام. وفي العصر الحديث، اعتمدت الجزائر خط التيفيناغ رسمياً إلى جانب الحرفين العربي واللاتيني لتدريس وتدوين اللغة الأمازيغية في المؤسسات التربوية والأكاديمية.