التاريخ والتراث

التراث الشفوي الشعبي في الجزائر: الذاكرة الحية للأجداد

التراث الشفوي الشعبي في الجزائر: الذاكرة الحية للأجداد وسرديات الهوية الوطنية

في ليلةٍ صحراويةٍ غسقها النجوم، وتحت ظلال قصرٍ طينيٍّ عتيق في عمق “توات”، أو بين أزقة القصبة العتيقة حيث تفوح رائحة الياسمين والقهوة بالهيل، يرتفع صوت “الڨوال” أو “الفداوي” ليعيد صياغة الزمن. هذا الصوت ليس مجرد حكاية تُروى لقطع سكون الليل، بل هو نبض الذاكرة الجماعية التي قاومت عوادي الزمن ومحاولات الطمس الممنهج خلال Période coloniale (العهد الاستعماري). إن التراث الشفوي الشعبي في الجزائر يمثّل الأرشيف غير المكتوب للأمة، والمستودع الأمين لقيمها، وعقيدتها، وبطولاتها. في هذا المقال الموسع والمفصل عبر موقع أخبار الجزائر، سنغوص في أعماق هذا التراث الحي، مستكشفين تجلياته المتنوعة من “الملحون” إلى “البوقالة”، ومحللين أدواره الاجتماعية والسياسية، وكيف تحوّل من مجرد كلمات منطوقة إلى درع هوياتي حصين صان الوجدان الجزائري.


الخلفية التاريخية للتراث الشفوي في الجزائر: الجذور والامتداد

يمتد التراث الشفوي الجزائري إلى آلاف السنين، ضارباً بجذوره في عمق الحضارات المتعاقبة على أرض الجزائر؛ من العهد النوميدي الأمازيغي القديم، مروراً بالفتح الإسلامي، والعهود الإسلامية المستقلة (الرستمية، الحمادية، الزيانية)، وصولاً إلى العهد العثماني ثم المقاومة الشعبية والثورة التحريرية المباركة. هذا التراكم التاريخي جعل من الجزائر بيئة خصبة لنمو سردية شفوية فريدة تلتقي فيها الثقافة الأمازيغية الأصيلة بالثقافة العربية الإسلامية، لتشكل هجيجاً ثقافياً غنياً.

التنوع الجغرافي والاجتماعي وأثره في تشكيل التراث الشفوي

لعبت الجغرافيا الجزائرية المتنوعة دوراً حاسماً في تشكيل أنماط هذا التراث. فبين جبال جرجرة والأوراس الشامخة، تأسست منظومة شفوية أمازيغية متماسكة اعتمدت على الشعر الشفوي (أثروه) والحكاية الشعبية (تامجريت) كوسيلة لنقل الحكمة وقوانين القبيلة الأعرافية. وفي الهضاب العليا الشاسعة وسهول التيطري والسيسب، نشأ “شعر الملحون” البدوي الذي رافق ترحال البدو الرحل وعبر عن ارتباطهم بالأرض والفروسية. أما في المدن التاريخية الكبرى مثل تلمسان، وقسنطينة، والجزائر العاصمة، فقد تطورت صياغات شفوية حضرية أرست طقوساً مثل “البوقالة” والمدائح الدينية في الزاوية الطرقية، التي كانت بمثابة قلاع روحية وثقافية.

كانت الدشرة في منطقة القبائل، والقصر في الصحراء، والسانية في السهول الخصبة، بمثابة فضاءات حيوية يلتئم فيها المجتمع الشفوي. وفي هذه الفضاءات، لم يكن التناقل الشفوي مجرد ترف، بل كان ضرورة وجودية للحفاظ على الروابط الاجتماعية والمنظومة الأخلاقية في غياب المؤسسات التعليمية الرسمية المتاحة للجميع، خاصة في الفترات التي حوربت فيها الشخصية الوطنية جزائرية الأبعاد.

أقسام وتجليات التراث الشفوي الجزائري: ديوان الذاكرة ومأثوراتها

يتشعب التراث الشفوي الجزائري إلى عدة فنون وقطاعات أدبية واجتماعية، لكل منها طقوسها الخاصة، وبنيتها الجمالية، ووظيفتها الاجتماعية والتاريخية. نستعرض أبرز هذه التجليات بتفصيل عميق:

أولاً: الشعر الملحون.. ديوان الجزائريين وسجل بطولاتهم

يُعد الشعر الملحون (الشعر الشعبي المنظوم بالعامية الجزائرية المطعمة بالفصحى والأمازيغية أحياناً) أهم الوثائق التاريخية الشفوية في الجزائر. فلم يكن الملحون مجرد وسيلة للتعبير الوجداني، بل كان أداة لتوثيق المعارك والأحداث السياسية والاجتماعية.

ولعل خير مثال على ذلك هو الشاعر المتصوف الشيخ سيدي لخضر بن خلوف (شاعر القرن السادس عشر الميلادي)، الذي وثق شعرياً معركة “مقطع الكبريت” ومعركة “مستغانم” ضد الغزو الإسباني، وتغنّى بمدح الرسول الكريم ﷺ، حتى لُقّب بـ “مداح الرسول”. شعره الشفوي تحول مع مرور القرون إلى مراجع تاريخية يعتمد عليها المؤرخون المعاصرون لملء الفراغات التي تركتها الكتابات الرسمية.

“يا فارس من ثم جيت اليوم*** عيد لي واش جرى في كدية مستغانم
واش من قتلى تماك من الروم*** واش غنمنا من سلاح ومغانم”
— من قصيدة معركة مستغانم لسيدي لخضر بن خلوف

ثانياً: الحكاية الشعبية والخرافة.. فلسفة الدشرة والبيت العتيق

الحكاية الشعبية (أو “المحاجية” و”الخرافة”) هي العمود الفقري للتنشئة الاجتماعية في الأسرة الجزائرية التقليدية. كانت “الجدة” هي الشخصية المحورية في هذا السياق، حيث تجتمع حولها العائلة في سهرات الشتاء الباردة حول “الكانون” (المدفأة التقليدية المصنوعة من الطين). تقدم هذه الحكايات قيماً أخلاقية في قالب رمزي ممتع.

  • حكايات الحيوانات الرمزية: مثل حكايات الثعلب (“سيد المنجل”) والذئب، والتي تهدف لتعليم الأطفال الفطنة والحذر.
  • حكايات الغرائبية والبطولة: مثل قصة “لونجا بنت الغول” و”حديدوان” الشاطر، وهي شخصيات تعبر عن انتصار الذكاء والخير على القوة الغاشمة والشر.
  • الحكايات الأخلاقية والتربوية: التي تعزز قيم صلة الرحم، وإكرام الضيف، والوفاء بالعهد، وبر الوالدين.

ثالثاً: البوقالة العاصمية.. أدب الفأل والبوح النسوي

تعتبر البوقالة ظاهرة أدبية واجتماعية فريدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدينة الجزائر العاصمة، لاسيما حي القصبة العتيق، وإن كانت تمارس في حواضر أخرى مثل البليدة، والمدية، وقسنطينة، وتلمسان بأسماء وطقوس متقاربة. البوقالة هي عبارة عن أبيات شعرية قصيرة، تلقى بلغة عامية راقية مليئة بالاستعارات والصور البيانية الجذابة، وتؤدى في جلسات نسوية حميمية خلال ليالي شهر رمضان المبارك.

تعتمد لعبة البوقالة على طقوس مميزة؛ حيث يُحضر إناء فخاري (المنقوع بالماء والبخور والروائح الطيبة)، وتقوم الفتيات بوضع خواتمهن أو أغراضهن الصغيرة فيه، ثم تُعقد “النية” وتُقرأ بوقالة محددة، ومن تسحب خاتمها تكون تلك البوقالة هي “فالها” ونصيبها من البشارة أو التحذير. تمثل البوقالة متنفساً تعبيرياً للمرأة الجزائرية يعكس آمالها، مخاوفها، وقدرتها الفائقة على صياغة الأدب الوجداني الشفوي بصورة عفوية بليغة.

رابعاً: أهليل قورارة والإمزاد.. مأثورات مصنفة عالمياً

في الجنوب الجزائري الشاسع، يكتسب التراث الشفوي بعداً أسطورياً يتناغم مع فضاءات الصحراء الممتدة:

  • أهليل قورارة: وهو نوع غنائي وشعري تقليدي يمارس في منطقة “توات” و”قورارة” بـ “أدرار”. يتضمن عروضاً موسيقية وحركية وشعرية يؤديها مئات الرجال في حلقة متماسكة تعبر عن التلاحم الوفاقي، ويحتوي على مدائح دينية صوفية عميقة وترانيم روحية تم تصنيفها ضمن روائع التراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى اليونسكو.
  • موسيقى وشعر الإمزاد: يرتبط بآلة “الإمزاد” الوترية التي تصنعها وتعزف عليها نساء “التوارق” (الرجال الزرق) في تمنراست وإيليزي، بينما يلقي الرجال الأشعار الحماسية والعاطفية حولها. يعبر هذا الفن الشفوي الموسيقي عن فلسفة العيش في الصحراء وقيم الشرف والفروسية التارقية.

الأبعاد الثقافية والاجتماعية: التراث الشفوي كدرع للمقاومة والوجود

لم يكن التراث الشفوي في الجزائر مجرد وسيلة للتسلية أو التعبير الجمالي الفلكلوري؛ بل كان أداة مقاومة وجودية صلبة، وصمام أمان لحفظ الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية (Mémoire collective). خلال فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830-1962)، مارست الإدارة الاستعمارية سياسة ممنهجة لتغريب المجتمع، ومحاربة اللغة العربية والتعليم، وهدم البنية الثقافية والاجتماعية للأهالي.

في ظل إغلاق المدارس والمساجد والتضييق على التعليم ومحاربة الهوية العربية الأمازيغية، تحوّل كل بيت جزائري، وكل مجلس زاوية، وكل خيمة بدوية إلى مدرسة لغوية وفكرية بفضل التراث الشفوي. فقد تم نقل قيم الدين الإسلامي، وتاريخ الأجداد، وأمجاد المقاومين عبر الأجيال بالكلمة المنطوقة. كان الشعر الشفوي يُنقل من قرية إلى قرية عبر شعراء جوالين ينشرون أخبار المقاومة ويبثون روح الجهاد والتحدي في النفوس.

دور المرأة الجزائرية في حراسة الذاكرة

لعبت المرأة الجزائرية دور “حارسة المعبد الثقافي” بامتياز؛ فبينما كان الرجال منشغلين بالعمل الشاق أو مرابطين في جبهات القتال والمقاومات الشعبية، كانت الأمهات والجدات يتولين مهمة غرس الهوية الوطنية في نفوس الأطفال عبر اللغات الشفوية المتداولة. إن أغاني المهد (ترقيد الأطفال)، والقصص التاريخية البطولية، والأمثال الشعبية كانت بمثابة اللبنات الأولى لبناء شخصية جزائرية عصية على الذوبان والفرنسة. هذا الدور العظيم صان الذاكرة الوطنية من التلاشي والاندثار الفكري.

الجغرافيا الثقافية للتراث الشفوي الجزائري: ملامح ومعالم

يتوزع التراث الشفوي في الجزائر وفق جغرافيا ثقافية غنية تتميز بالخصوصية والتكامل في آن واحد. الجدول التالي يوضح الخريطة الثقافية لأبرز فنون هذا التراث الشفوي ومناطق تركزها والآلات المصاحبة لها:

الفن الشفوي الشعبيالمنطقة الجغرافية الرئيسيةالميزات والخصائص اللغوية والفنيةالارتباطات الثقافية والاجتماعية
الشعر الملحونالهضاب العليا، الغرب والوسط الجزائريلهجة عربية فصيحة وبدوية، وزن وقافية متقنةتوثيق المعارك التاريخية، الغزل العذري، الحكمة الصوفية
أهليل قورارةمنطقة قورارة وأدرار (الجنوب)لغة زناتية أمازيغية ممزوجة بالعربية، غناء جماعيمدائح نبوية، ترانيم دينية صوفية، تلاحم الواحات
البوقالة العاصميةحي القصبة (الجزائر العاصمة) والحواضر القديمةأبيات من بحر الرجز القصير، عامية عاصمية راقيةفأل حسن، تجمعات نسوية رمضانية، وجدانيات
إمزاد والتنديجبال الهقار والطاسيلي (أقصى الجنوب)لغة التماشق (الأمازيغية التارقية)، تعزف عليه النساءشرف الصحراء، الغزل البدوي، استحضار قيم الفروسية
أشويق وقصص القبائلمنطقة القبائل وجبال جرجرةاللغة الأمازيغية القبائلية، أداء نسوي حزين ومؤثررثاء الشهداء، الغربة والتهجير، تقاليد جني الزيتون

ومن خلال هذه الجغرافيا، نلاحظ أن التراث الشفوي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالبنى التحتية للمجتمع التقليدي الجزائري؛ مثل نظام الري بـ الفقارة في الصحراء، حيث كان توزيع المياه يترافق مع ترانيم وأهازيج شفوية تنظم العمل وتبث الحماس في نفوس الفلاحين، أو في مواسم الحصاد وجني الزيتون في الشمال والقبائل.

تسجيل التراث الشفوي الجزائري عالمياً: جدول زمني وإنجازات

أدركت الدولة الجزائرية بعد الاستقلال أهمية هذا المكون غير المادي لحفظ سيادتها الثقافية، وعملت بالتنسيق مع الهيئات الدولية والوطنية، لا سيما اليونسكو، على توثيق وتسجيل هذه الكنوز الشفوية لضمان عدم اندثارها وحمايتها من السطو الثقافي:

السنة الميلاديةالعنصر التراثي المسجلالجهة المصنفةالأهمية الثقافية للتسجيل
أهليل قورارة الشفوي والموسيقيمنظمة اليونسكو (UNESCO)الاعتراف بالعمق الصوفي والروحي للثقافة الشفوية بالصحراء الجزائرية
المعارف والمهارات المرتبطة بآلة الإمزاد الموسيقيةمنظمة اليونسكو (ملف مشترك)إبراز دور المرأة التارقية كحارس وحيد لهذا الموروث الشفوي الموسيقي البديع
المعارف والمهارات الطقوسية المرتبطة بكيالين الماء وتوزيعها في تواتمنظمة اليونسكوتوثيق الأعراف الشفوية المنظمة للحياة الاقتصادية والاجتماعية في واحات الصحراء
المهارات والخبرات والممارسات المتعلقة بإنتاج واستهلاك الكسكسيمنظمة اليونسكو (ملف مغاربي مشترك)حفظ المأثورات الشفوية، والأغاني والأمثال المرتبطة بإعداد الأطباق التقليدية العريقة
أغنية الراي الجزائري وموروثها الشفويمنظمة اليونسكوتصنيف هذا الفن الغنائي والشعري الذي يعود جذوره لشيوخ وشيخات الملحون بالغرب الجزائري

خطوات عمليّة: كيف تساهم في حماية وتوثيق التراث الشفوي الجزائري؟

إن حماية التراث الشفوي ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية أو الأكاديمية وحدها، بل هي واجب وطني تقع مسؤوليته على عاتق كل مواطن وباحث وصانع محتوى في العصر الرقمي الحديث. إليك دليلاً عملياً للمساهمة الفعّالة في حفظ ذاكرة أجدادنا:

1. التوثيق العائلي الرقمي (الخطوة الأولى والأهم)

  • سجّل لجدّيك وجدّتك: بادر بالجلوس مع كبار السن في عائلتك، وسجل أحاديثهم، حكاياتهم، أمثالهم، والقصص التي يروونها عن طفولتهم وثورة التحرير باستخدام هاتفك الذكي بجودة صوت عالية.
  • أرشفة المسميات القديمة: دوّن المصطلحات الشعبية التراثية التي يستخدمونها، خاصة تلك المرتبطة بالأدوات التقليدية مثل (الرحى، الغربال، القصعة، المهراس، الجفنة)، واشرح معانيها للأجيال الجديدة.

2. إثراء المحتوى الرقمي وصناعة المحتوى التراثي

  • الكتابة والتدوين: انشر هذه القصص والمأثورات الشفوية عبر مدونتك الخاصة أو صفحات التواصل الاجتماعي، مع إضافة شروح وتوضيحات للمفردات العامية القديمة.
  • البودكاست والإنتاج المرئي: أطلق بودكاست مخصصاً لإعادة إحياء “الحكاية الشعبية الجزائريّة” أو إلقاء “البوقالات” وقصائد “الملحون”، فالأذن تعشق الفن المسموع سريع الوصول والتأثير.

3. دعم السياحة الثقافية التراثية والزيارات الميدانية

  • قم بزيارة المعالم والمدن العريقة مثل قصبة الجزائر، تلمسان، قسنطينة، غرداية، وأدرار، وتعرّف عن قرب على طقوس أهاليها الثقافية ومأثوراتهم.
  • احرص على اقتناء وحضور المهرجانات الوطنية للتراث الشفوي، مثل مهرجان الملحون بمستغانم، أو احتفاليات “سبيبة” في جانت، لتنشيط الاقتصاد الثقافي المحلي للمناطق الحاضنة للتراث.

مفاهيم مغلوطة وأخطاء شائعة في دراسة التراث الشفوي الجزائري

يواجه البحث في حقل التراث الشفوي بعض الأخطاء الشائعة والمغالطات التي يجب على الباحثين والمهتمين تصحيحها والوعي بها بدقة وعلمية:

تحذير وتنبيه علمي:
  • الخطأ الأول: اعتبار التراث الشفوي مجرد “تسلية وفلكلور هامشي”: يظن البعض أن هذه المأثورات لا ترقى لمرتبة التاريخ العلمي. والحقيقة أنها وثائق تاريخية واجتماعية ونفسية حية، تعكس البنية التحتية الوجدانية والاجتماعية للمجتمع الجزائري في فترات غياب الأرشيف المكتوب.
  • الخطأ الثاني: الاعتقاد بأن التراث الشفوي ثابت لا يتغير: التراث الشفوي كائن حي ديناميكي يتطور مع العصور، فقد تضاف أبيات لشعر الملحون لتعبر عن مستجدات لاحقة، أو يُعاد تحوير القصة الشعبية لتناسب العصر الجديد. لذا يجب تمييز النواة الأصلية وتتبع تطور النص وسياقه.
  • الخطأ الثالث: التقليل من موثوقية الرواية الشفوية: أثبتت الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة أن الذاكرة الشفوية للمجتمعات التقليدية تتمتع بآليات دقيقة للحفظ والنقل الفكري، وتكون في كثير من الأحيان أكثر صدقاً وتعبيراً عن الواقع الشعبي من التقارير الإدارية الاستعمارية المنحازة.

الواقع المعاصر والرقمنة: كيف ننقذ موروث الأجداد الشفوي؟

يمر التراث الشفوي الجزائري اليوم بـ “مرحلة حرجة”؛ فرحيل كبار السن وحاملي الذاكرة والكنوز الشفوية (من قوالين، ومداحين، وجدات حافظات) يهدد باندثار مئات القصص والأغاني الشعبية إلى الأبد. لذا، أصبح استخدام التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي ضرورة ملحة وأداة لا غنى عنها لتوثيق هذا الموروث.

تنبثق جهود ملموسة من مراكز ومؤسسات أكاديمية وطنية هامة، مثل المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ (CNRPAH)، لجمع الروايات الشفوية وتدوينها ضمن أطالس ثقافية متكاملة. ولكن، يبقى التحدي الأكبر هو نقل هذا التراث من الرفوف الأكاديمية والكتب المغلقة إلى الفضاء الافتراضي والميديا الرقمية لجذب انتباه الجيل الصاعد والشباب الشغوف بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

الأسئلة الشائعة حول التراث الشفوي الشعبي في الجزائر

ما هو تعريف التراث الشفوي الشعبي؟

التراث الشفوي الشعبي هو كل ما ينتقل عبر الكلمة المنطوقة والمسموعة من جيل إلى جيل من مأثورات أدبية، حكايات، خرافات، شعر ملحون، أمثال شعبية، عادات، وأغاني تقليدية دون الاعتماد على الكتابة والتدوين في نشوئها الأصلي وتداولها.

كيف ساهم الشعر الملحون في كتابة تاريخ الجزائر؟

ساهم شعر الملحون في توثيق المعارك التاريخية الكبرى ضد الغزو الإسباني، والاستعمار الفرنسي، ووصف الحياة الاجتماعية والتحولات الاقتصادية والسياسية بدقة متناهية، ما يجعله بمثابة أرشيف تاريخي شفوي تكميلي للأرشيف المكتوب والمخطوط.

ما هي طقوس البوقالة في الثقافة الجزائرية؟

البوقالة هي أبيات شعرية قصيرة تلقى في جلسات نسوية حميمية بمدينة الجزائر وحواضرها العتيقة، لاسيما في ليالي رمضان. تعتمد على عقد النية ووضع الأغراض الشخصية والخواتم في إناء طيني مبخر ومملوء بالماء وقراءة البوقالة كنوع من الفأل الحسن والموعظة الجميلة.

ما هي العناصر التراثية الشفوية الجزائرية المصنفة عالمياً لدى اليونسكو؟

من أبرز العناصر الشفوية والموسيقية المصنفة عالمياً: أهليل قورارة، موسيقى وشعر الإمزاد للتوارق، وأغنية الراي الجزائرية بموروثها الشفوي وممارساتها الثقافية المتميزة.

خاتمة: عهد الذاكرة ووصية الأجداد للمستقبل

إن التراث الشفوي الشعبي في الجزائر ليس مجرد صدى باهت لأزمنة خلت، بل هو نسيج حي، وهوية نابضة تسير معنا وتوجه خطواتنا نحو المستقبل في عالم رقمي سريع التحول والتغير. هذا التراث يمثل خلاصة وجدان وتجارب أجدادنا الأحرار الذين عاشوا على هذه الأرض الطيبة، وقاوموا الصعاب، وواجهوا الاستعمار بكلماتهم وأشعارهم وقصصهم المفعمة بالحكمة والإيمان الصلب. إن الحفاظ على هذا الإرث الشفوي الثمين ونقله للأجيال الصاعدة وتوثيقه رقمياً وحمايته من الطمس أو التزييف هو فرض عين على كل جزائري غيور على هويته وثقافة وطنه الأصيل.

اكتشف المزيد من قصص تاريخ الجزائر وتراثها العريق من خلال تصفح قسم التاريخ الرائع والمميز في أخبار الجزائر.

شاركنا برأيك وتعليقك أسفل المقال: ما هي أشهر قصة شعبية أو بوقالة أو مثل شعبي سمعته من أجدادك وترغب في أن نسلط عليه الضوء بالتحليل والنشر في مقالاتنا القادمة؟

إذا نال هذا المقال إعجابك واستفدت من معلوماته القيمة، فلا تتردد إطلاقاً في مشاركته مع أصدقائك والمهتمين بالتاريخ والتراث الجزائري والعربي الأصيل عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

المصادر والمراجع الأكاديمية المعتمدة

لضمان الدقة الأكاديمية والتوثيق العلمي الدقيق لمحتوى هذا المقال الموسوعي، تم الاستناد والرجوع إلى المصادر والمراجع والوثائق الهامة التالية:

  1. عبد الحميد بورايو، “الحكاية الشعبية الجزائرية: دراسة أنثروبولوجية وبنيوية”، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.
  2. سيدي لخضر بن خلوف، “ديوان شاعر الجزائر ومداح الرسول”، تحقيق وجمع الأستاذ الدكتور أحمد مريوش، منشورات وزارة الثقافة الجزائرية.
  3. المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ (CNRPAH)، أوراق وأبحاث الندوات الوطنية حول التراث الثقافي غير المادي في الجزائر، المجلدات والتقارير الدورية الرسمية. يمكن الاطلاع على إسهاماتهم عبر الموقع الرسمي لمركز CNRPAH.
  4. منظمة اليونسكو (UNESCO)، قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية – ملفات الجزائر (أهليل قورارة، الإمزاد، طقوس الكيالين، الراي)، الموثقة والمسجلة رسمياً على بوابة اليونسكو للتراث غير المادي.
  5. وزارة الثقافة والفنون الجزائرية، بوابة حماية التراث الوطني المادي وغير المادي والتوجيهات الاستراتيجية للحفاظ على الذاكرة الوطنية، وزارة الثقافة والفنون الجزائرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى