إساءة استغلال الوظيفة في القانون الجزائري: تعريف، عقوبات، ومسؤوليات

يواجه الكثير من المواطنين في الجزائر تحديات عند التعامل مع الإدارات العمومية، وقد يشعر البعض بأن موظفاً ما قد تعسّف في استعمال سلطته أو طلب منفعة غير مشروعة. تُعرف هذه الممارسة بجريمة “إساءة استغلال الوظيفة”، وهي من الجرائم الخطيرة التي يعاقب عليها القانون بقسوة لحماية المواطن وضمان نزاهة الخدمة العمومية. في هذا المقال، سنفصل كل ما يتعلق بهذه الجريمة في القانون الجزائري، بدءاً من تعريفها الدقيق، أركانها، العقوبات المقررة، وكيفية التبليغ عنها بشكل فعال.
إن فهم الإطار القانوني لهذه الجريمة يمكّنك من معرفة حقوقك والدفاع عنها، ويساهم في بناء إدارة شفافة وخالية من الفساد. سنتناول بالتفصيل النص القانوني الذي يجرم هذا الفعل، الإجراءات العملية لمتابعة مرتكبيه، والفرق بينه وبين جرائم أخرى مشابهة.
السند القانوني لجريمة إساءة استغلال الوظيفة في الجزائر
الإطار القانوني الرئيسي الذي يحكم جرائم الفساد، بما في ذلك إساءة استغلال الوظيفة، هو القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، المعدل والمتمم. تعتبر هذه الجريمة من أخطر صور الفساد الإداري لأنها تمس بشكل مباشر بحقوق المواطنين وثقتهم في مؤسسات الدولة.
المادة 33: النص المؤسس للجريمة
تُعرّف المادة 33 من القانون 06-01 (المعدلة والمتممة بموجب القانون رقم 23-06) جريمة إساءة استغلال الوظيفة بشكل دقيق وواضح. تنص المادة على ما يلي:
“يعاقب بالحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات وبغرامة من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج، كل موظف عمومي أساء استغلال وظائفه أو منصبه، عمدا، على نحو يخرق القوانين والتنظيمات، بغرض الحصول على منافع غير مستحقة لنفسه أو لشخص آخر أو كيان آخر.”
لتحقق هذه الجريمة، يجب توافر أركان محددة سنقوم بتفصيلها.
أركان جريمة إساءة استغلال الوظيفة
لكي تقوم المتابعة الجزائية، يجب على النيابة العامة إثبات توافر ثلاثة أركان أساسية:
- صفة الجاني (الركن المفترض): يجب أن يكون مرتكب الفعل “موظفاً عمومياً”. ويعرّف القانون 06-01 الموظف العمومي بتعريف واسع جداً يشمل ليس فقط الموظفين في الإدارات التقليدية، بل كل من يشغل منصباً تشريعياً، تنفيذياً، إدارياً، قضائياً، أو في مجلس محلي منتخب، سواء كان معيناً أو منتخباً، دائماً أو مؤقتاً، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر.
- الركن المادي: يتمثل في قيام الموظف بسلوك إيجابي (فعل) أو سلبي (امتناع) يندرج ضمن صلاحيات وظيفته، لكنه يقوم به على نحو يخرق القوانين والتنظيمات. أمثلة على ذلك:
- منح رخصة أو وثيقة لشخص لا يستوفي الشروط القانونية.
- رفض منح وثيقة لمواطن يستوفي جميع الشروط.
- تسريع ملف مقابل خدمة شخصية أو تأخير ملف آخر بشكل تعسفي.
- استخدام سيارة المصلحة أو معداتها لأغراض شخصية.
- الركن المعنوي (القصد الجنائي): يجب أن يكون الموظف قد ارتكب الفعل “عمداً”، أي عن وعي وإرادة. والأهم من ذلك، يجب أن يكون هدفه (القصد الخاص) هو “الحصول على منافع غير مستحقة” سواء لنفسه، لأحد أقاربه، أو لأي شخص أو كيان آخر. هذه المنفعة لا يشترط أن تكون مادية (مال)، بل يمكن أن تكون معنوية كترقية، أو خدمة، أو أي ميزة أخرى غير قانونية.
جدول مقارن: الفرق بين إساءة استغلال الوظيفة وجرائم مشابهة
من الشائع الخلط بين إساءة استغلال الوظيفة وجرائم أخرى قريبة منها مثل الرشوة واستغلال النفوذ. يوضح الجدول التالي الفروقات الجوهرية لمساعدتك على التمييز بينها.
| المعيار | إساءة استغلال الوظيفة (المادة 33) | الرشوة (المادة 25) | استغلال النفوذ (المادة 32) |
|---|---|---|---|
| طبيعة الفعل | الموظف يستغل سلطته مباشرة للقيام بعمل أو الامتناع عنه بشكل مخالف للقانون. | الموظف يطلب أو يقبل مزية غير مستحقة لأداء عمل (أو الامتناع عنه) من اختصاصه. (جريمة ذات طرفين: الراشي والمرتشي). | شخص (موظف أو غير موظف) يدّعي أن له تأثيراً حقيقياً أو وهمياً على موظف آخر للحصول على مزية. |
| المقابل | الهدف هو الحصول على أي “منفعة غير مستحقة”، مادية أو معنوية، ولا يشترط وجود مقابل مباشر من طرف ثالث. | يشترط وجود “مزية غير مستحقة” كعرض أو وعد أو طلب (مال، هدية، خدمة). | يشترط وجود “مزية غير مستحقة” مقابل استغلال التأثير المزعوم. |
| العلاقة بالوظيفة | الفعل مرتبط بشكل مباشر وحصري بصلاحيات الموظف. | الفعل مرتبط بأعمال وظيفة الموظف المرتشي. | قد لا يكون للموظف الذي يستغل نفوذه أي سلطة مباشرة على القرار المطلوب، بل يستخدم نفوذه على صانع القرار. |
شرح الإجراءات خطوة بخطوة: كيف تبلغ عن جريمة إساءة استغلال الوظيفة؟
إذا كنت ضحية أو شاهداً على فعل تعتقد أنه يشكل جريمة إساءة استغلال الوظيفة، يمكنك اتباع الخطوات التالية لتقديم شكوى رسمية وتحريك الدعوى العمومية.
الخطوة الأولى: جمع الأدلة
قبل التوجه إلى الجهات القضائية، حاول جمع أكبر قدر ممكن من الأدلة التي تدعم موقفك. القضاء يعتمد على الإثبات، وكلما كانت شكواك مدعمة، كانت فرص نجاحها أكبر. الأدلة يمكن أن تشمل:
- وثائق رسمية: طلبات مرفوضة دون مبرر قانوني، وصولات إيداع، محاضر، قرارات إدارية مخالفة للقانون.
- مراسلات: رسائل بريد إلكتروني، رسائل نصية، أو أي مراسلة كتابية تظهر التعسف أو طلب المنفعة.
- شهادة الشهود: أسماء ومعلومات الاتصال بأشخاص آخرين شهدوا الواقعة ومستعدون للإدلاء بشهادتهم.
- تسجيلات: (مع مراعاة الإطار القانوني) يمكن أن تكون التسجيلات الصوتية أو المرئية دليلاً قوياً، لكن يجب استشارة محامٍ حول مدى قانونية استخدامها كدليل إثبات.
الخطوة الثانية: تحرير الشكوى (عريضة الشكوى)
الشكوى هي الوثيقة الرسمية التي تطلق الإجراءات. يجب أن تكتب بأسلوب واضح وموجز، وتوجه إلى السيد/ وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة (المحكمة التي وقعت الجريمة في دائرة اختصاصها). يجب أن تتضمن الشكوى:
- بياناتك الكاملة: الاسم، اللقب، العنوان، رقم الهاتف.
- بيانات المشتكى منه: اسم الموظف، منصبه، والإدارة التي يعمل بها (إذا كانت معروفة).
- عرض الوقائع: سرد تفصيلي ودقيق للأحداث بتسلسل زمني. اذكر التواريخ، الأماكن، والأفعال التي قام بها الموظف بوضوح.
- تكييف أولي للفعل: يمكنك الإشارة إلى أن هذه الأفعال تشكل جريمة إساءة استغلال الوظيفة المنصوص عليها في المادة 33 من قانون مكافحة الفساد.
- الأدلة المرفقة: قائمة بالوثائق والأدلة التي ترفقها مع الشكوى.
- الطلبات: اطلب من السيد وكيل الجمهورية فتح تحقيق في الوقائع ومتابعة المشتكى منه جزائياً.
- التوقيع: يجب أن تكون الشكوى موقعة من طرفك.
الخطوة الثالثة: إيداع الشكوى
تتوجه بالشكوى والملف المرفق إلى مكتب وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة إقليمياً. سيقوم كاتب الضبط بتسجيل الشكوى ومنحك وصلاً بالإيداع. بعد ذلك، سيقوم وكيل الجمهورية بدراسة الشكوى واتخاذ أحد الإجراءات التالية:
- الأمر بفتح تحقيق: إذا كانت الوقائع تبدو جدية والأدلة كافية، يأمر الضبطية القضائية (الشرطة أو الدرك الوطني) بفتح تحقيق ابتدائي.
- إحالة الملف على قاضي التحقيق: في الجرائم المعقدة، قد يحيل الملف مباشرة إلى قاضي التحقيق لإجراء تحقيق معمق.
- حفظ الملف: إذا رأى أن الوقائع لا تشكل جريمة أو أن الأدلة غير كافية، قد يصدر أمراً بحفظ الملف، وهو قرار يمكن الطعن فيه.
الوثائق المطلوبة (الملف الإداري لتقديم الشكوى)
لتقديم شكوى منظمة، قم بإعداد ملف يحتوي على الوثائق التالية:
- عريضة الشكوى موجهة إلى السيد وكيل الجمهورية (أصل + نسخ).
- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية الخاصة بك.
- طابع جبائي بقيمة معينة (استعلم عن القيمة المحدثة لدى شباك المحكمة).
- جميع الوثائق والأدلة التي تدعم شكواك (نسخ منظمة ومرتبة).
- قائمة بأسماء وعناوين الشهود إن وجدوا.
نصيحة الخبير
عند تحرير الشكوى، ركز على الجانب الموضوعي والقانوني، وتجنب الأسلوب العاطفي أو الاتهامات المرسلة. اذكر الوقائع المادية بدقة: “في يوم… بتاريخ… توجهت إلى المصلحة… وطلب مني الموظف… وقام بالفعل… الذي يعتبر خرقاً للمادة… من القانون…”. الشكوى المنظمة والمدعمة بالقرائن تزيد من احتمال أخذها على محمل الجد من طرف النيابة العامة. كما أن الاستعانة بمحامٍ منذ البداية يمكن أن يوجهك بشكل أفضل ويضمن سلامة الإجراءات.
العقوبات المقررة والمخاطر المترتبة على الموظف
كما ذكرنا، فإن العقوبات التي نصت عليها المادة 33 من القانون 06-01 (بعد تعديل 2023) هي عقوبات مشددة ورادعة.
- العقوبة الأصلية: الحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات.
- الغرامة: من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج.
إلى جانب هذه العقوبات الجزائية، قد تترتب على الموظف المدان عقوبات أخرى تكميلية، مثل:
- المصادرة: مصادرة الأموال والممتلكات الناتجة عن الجريمة.
- العزل من الوظيفة: يفقد الموظف منصبه بشكل نهائي.
- الحرمان من الحقوق الوطنية والمدنية: مثل الحق في الترشح أو تولي الوظائف العمومية مجدداً.
- التعويض المدني: إلزام الموظف المدان بدفع تعويض مالي للضحية (الشخص أو الإدارة المتضررة) عن الأضرار التي لحقت بهم.
تنبيه: لا تخلط بين الخطأ الإداري والجريمة الجزائية
من الأخطاء الشائعة اعتبار كل قرار إداري خاطئ أو كل تأخير في معالجة ملف بمثابة جريمة إساءة استغلال الوظيفة. الخطأ الإداري (أو الخطأ المصلحي) الذي يرتكبه الموظف عن غير قصد أو نتيجة سوء تقدير لا يرقى إلى مستوى الجريمة. الجريمة تتطلب “القصد الجنائي” و”نية الحصول على منفعة غير مستحقة”. إذا كان الخطأ غير عمدي، يمكن الطعن فيه أمام الجهات الإدارية أو القضاء الإداري، ولكنه لا يقع ضمن اختصاص القضاء الجزائي. هذا التمييز مهم لتوجيه شكواك إلى الجهة الصحيحة.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
1. هل يمكنني التبليغ عن حالة فساد بشكل مجهول؟
نعم، القانون الجزائري يوفر آليات لحماية المبلغين والشهود. يمكنك تقديم بلاغ مجهول إلى الهيئات المختصة مثل الهيئة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته (HATP) أو عبر الأرقام الخضراء التي تضعها السلطات. ومع ذلك، لكي تكون طرفاً مدنياً وتطالب بالتعويض في قضية، يجب أن تكون هويتك معروفة. الشكوى أمام وكيل الجمهورية تتطلب كشف الهوية، لكن القانون يلزم الجهات القضائية بحماية الشهود والمبلغين عند الضرورة.
2. ما هي مدة تقادم جريمة إساءة استغلال الوظيفة؟
باعتبارها جنحة، فإن الدعوى العمومية بخصوص جريمة إساءة استغلال الوظيفة تتقادم بمضي عشر (10) سنوات كاملة، وفقاً للتعديلات الجديدة التي مست قواعد التقادم في جرائم الفساد. تبدأ مدة التقادم من يوم ارتكاب الفعل أو من يوم اكتشافه إذا كان خفياً. هذا يعني أنه يمكن متابعة الموظف حتى بعد سنوات من ارتكاب الفعل.
3. هل يمكن متابعة الموظف بعد تقاعده أو استقالته؟
نعم بكل تأكيد. العبرة في المتابعة الجزائية هي بصفة الفاعل وقت ارتكاب الجريمة، وليس وقت اكتشافها أو المتابعة بشأنها. فإذا ارتكب شخص جريمة إساءة استغلال الوظيفة عندما كان موظفاً عمومياً، فإنه يظل مسؤولاً عنها جزائياً حتى بعد مغادرته للوظيفة لأي سبب كان (تقاعد، استقالة، عزل).
4. أنا موظف وطُلب مني تنفيذ أمر مخالف للقانون، ماذا أفعل؟
ينص قانون الوظيفة العمومية على واجب طاعة الرؤساء، لكن هذه الطاعة ليست عمياء. إذا كان الأمر الذي تلقيته مخالفاً للقانون بشكل واضح، يجب عليك أولاً تنبيه رئيسك المباشر كتابياً بمخالفة الأمر للقانون. إذا أصر الرئيس على تنفيذ الأمر وأعطاك تعليمات كتابية بذلك، يمكنك تنفيذ الأمر مع الاحتفاظ بنسخة من التعليمات الكتابية التي تعفيك من المسؤولية الجزائية، حيث تنتقل المسؤولية إلى مصدر الأمر. هذا الموقف يحميك من تهمة المشاركة في الجريمة. كما يمكنك اللجوء إلى منصات akhbardz.com للاطلاع على مستجدات القوانين التي تحمي الموظف العمومي.
الخاتمة
تعتبر جريمة إساءة استغلال الوظيفة اعتداءً خطيراً على مبدأ سيادة القانون ونزاهة الإدارة. لقد وضع المشرع الجزائري، خصوصاً من خلال القانون 06-01 وتعديلاته، ترسانة قانونية قوية لمكافحة هذه الظاهرة، بعقوبات رادعة وإجراءات واضحة. كمواطن، معرفتك بهذه القوانين والإجراءات هي سلاحك الأول للدفاع عن حقوقك والمساهمة في بناء دولة الحق والقانون. لا تتردد في اللجوء إلى القضاء عند مواجهة أي شكل من أشكال التعسف، فالتبليغ ليس مجرد حق، بل هو واجب وطني.
المصادر والمراجع
- القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته (مع آخر تعديلاته بموجب القانون رقم 23-06).
- قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.
- قانون العقوبات الجزائري.
- الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 يوليو 2006، المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية.
- الموقع الرسمي للجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.




