تاريخ اللغة العربية في الجزائر: قرون من الصمود والهوية

خيارات العنوان المقترحة للمقال:
- تاريخ اللغة العربية في الجزائر: من الفتوحات الإسلامية إلى معركة السيادة الوطنية
- لغة الضاد في أرض الجزائر: قرون من الدفاع عن الهوية الوطنية والتراث الأصيل
- تاريخ اللغة العربية في الجزائر: ملحمة الصمود، صراع الهوية، ومسار التعريب
تاريخ اللغة العربية في الجزائر: من الفتوحات الإسلامية إلى معركة السيادة الوطنية
تعتبر اللغة العربية في الجزائر أكثر من مجرد وسيلة للتواصل اليومي أو أداة للكتابة الإدارية؛ إنها العمود الفقري للهوية الوطنية، ورمز الصمود الثقافي والروحي الذي تكسرت عليه أمواج محاولات الطمس والاستعمار عبر القرون. لطالما كانت لغة الضاد في شمال إفريقيا، وفي الجزائر على وجه الخصوص، بمثابة الحصن المنيع الذي التفت حوله فئات المجتمع لحفظ أصالتها ودينها. من منارات العلم في بجاية وتلمسان، وصولاً إلى قلاع المقاومة الفكرية في زوايا الصحراء وجبال الأوراس وجرجرة، يروي تاريخ اللغة العربية في الجزائر قصة تلاحم فريد بين العربية واللغات المحلية كالأمازيغية، في نسق حضاري شكّل الشخصية الجزائرية المعاصرة.
إن دراسة مسار اللغة العربية في هذا البلد العريق تتطلب منا الغوص في أعماق التواريخ، بدءاً من الفتوحات الإسلامية الأولى، مروراً بالدول الإسلامية المستقلة، ثم العهد العثماني، وصولاً إلى الفترة الاستعمارية الفرنسية الشرسة (Période coloniale) التي حاولت بكل قوتها القضاء على هذا الرابط الوجداني، وانتهاءً بمعركة التعريب الشاملة بعد استرجاع السيادة الوطنية. في هذا المقال الموسوعي، سنستعرض بالتفصيل والمراجع الأكاديمية هذا المسار التاريخي الحافل بالصمود والتحديات.
1. الجذور الأولى والفتوحات الإسلامية: بذور التعريب التدريجي
لم يكن دخول اللغة العربية إلى الجزائر حدثاً مفاجئاً أو مفروضاً بقوة السلاح، بل كان سيرورة تاريخية طويلة بدأت مع الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي. دخلت العربية كحامل لرسالة الإسلام العقائدية، مما جعل سكان الجزائر الأصليين من الأمازيغ يقبلون على تعلمها طواعية لفهم الدين الجديد وتأدية شعائره. مع تأسيس المراكز الحضارية الأولى والمدن الإسلامية، تحولت العربية من لغة عبادة إلى لغة إدارة وتجارة وتفاعل اجتماعي وثقافي.
مرحلة التفاعل والتمازج اللغوي
خلال القرون الأولى للفتوحات، تعايشت اللغة العربية مع اللغة الأمازيغية بلهجاتها المختلفة في وئام تام. ولم تشهد الجزائر أي صراع لغوي، بل تكاملاً وظيفياً؛ حيث أصبحت العربية لغة التدوين العلمي والخطاب الديني الرسمي، في حين ظلت الأمازيغية لسان الحياة اليومية في العديد من القرى والمداشر (الدشرة) والقصور (Ksar) المنتشرة في عمق الأوراس والقبائل والصحراء. هذا التلاقح أنتج لاحقاً لهجة جزائرية محلية (الدارجة) غنية بالصيغ النحوية الأمازيغية والمفردات العربية الفصيحة.
الهجرة الهلالية والأثر اللغوي الكبير
شهد القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس الهجري) تحولاً ديموغرافياً ولغوياً حاسماً في تاريخ المغرب الأوسط (الجزائر). تمثل هذا التحول في وصول قبائل بني هلال وبني سليم وعرب المعقل إلى المنطقة. ساهم هذا التدفق البشري العربي الكبير في تسريع عملية التعريب اللغوي والاجتماعي، خاصة في السهول والمناطق الرعوية والسهوب. اندمجت هذه القبائل مع السكان المحليين، وتأسست لهجات عربية بدوية استقرت في الوجدان الجزائري، مما وسع رقعة التحدث بالعربية الفصحى ومشتقاتها خارج المدن والحواضر العلمية.
“إن دخول القبائل الهلالية إلى المغرب الأوسط كان بمثابة الرافد البشري الأكبر الذي نقل اللغة العربية من بطون الكتب ودواوين المدن إلى السهوب والوديان، جاعلاً منها لغة التخاطب اليومي لشرائح واسعة من المجتمع.”
— المؤرخ الدكتور أبو القاسم سعد الله، أبحاث في التاريخ الجزائري
2. العصر الذهبي للحواضر الإسلامية: العربية لغة العلم والتدوين
توالت الدول الإسلامية على حكم الجزائر، من الرستميين في تاهرت، مروراً بالفاطميين، والزيانيين في تلمسان، والحماديين في بجاية (الناصرية). في هذه الفترات، ارتقت اللغة العربية لتصبح لغة العلوم التجريبية والفلسفة والأدب والفقه، وشهدت الجزائر حركة تأليف ونسخ للمخطوطات لا مثيل لها.
تاهرت وتلمسان وبجاية: منارات علمية عالمية
أصبحت مدينة بجاية في عهد الدولة الحمادية قطباً علمياً جذب العلماء من كل حدب وصوب، بما في ذلك علماء من أوروبا مثل عالم الرياضيات الشهير “ليوناردو فيبوناتشي” الذي تعلم الأرقام العربية هناك. وفي غرب الجزائر، كانت تلمسان عاصمة الزيانيين تحتضن مساجد ومدارس كبرى كالمدرسة التاشفينية، حيث كان التدريس يتم باللغة العربية الفصيحة وبأرقى المناهج التعليمية في ذلك العصر. وفي هذه الحواضر، كانت المخطوطات الفقهية، والطبية، والفلكية تُكتب بخط مغربي أصيل يبرز الهوية الثقافية المتميزة للمنطقة.
دور الزوايا والكتاتيب في تعزيز الهوية اللغوية
شكلت الزوايا والكتاتيب (المدارس القرآنيّة) شبكة تعليمية متكاملة غطت كامل التراب الجزائري. في هذه المؤسسات التراثية، كان الأطفال والطلبة يحفظون القرآن الكريم، ويتعلمون قواعد اللغة العربية من أجرومية وألفية ابن مالك. لم تكن الزاوية مجرد مكان للعبادة، بل كانت جامعة شعبية مجانية تحافظ على نقاء اللغة العربية وفصاحتها في مواجهة العزلة الجغرافية أو التقلبات السياسية. ومن أهم الزوايا التي لعبت هذا الدور: الزاوية الرحمانية، الزاوية القادرية، وزاوية الهامل.
3. العهد العثماني: استقرار الهوية اللغوية والتعدد الثقافي
مع انضمام الجزائر إلى الخلافة العثمانية في القرن السادس عشر لحمايتها من الغزو الإسباني، شهدت البلاد تنظيماً إدارياً وسياسياً جديداً. وعلى الرغم من أن اللغة التركية العثمانية كانت لغة النخبة الحاكمة (الداي والباي)، إلا أن اللغة العربية حافظت على مكانتها السيادية كاملة كمرجعية أولى للمجتمع والقضاء والتعليم.
العربية لغة القضاء والتعليم الشرعي
كانت المحاكم الشرعية في الجزائر العاصمة، وقسنطينة، ووهران، وتلمسان تعتمد كلياً على اللغة العربية في تدوين وثائقها وأحكامها وسجلاتها. وكان الفقهاء والقضاة المالكية والحنفية يصدرون فتاواهم بالعربية الفصيحة. كما استمر التدريس في الجوامع الكبرى مثل الجامع الأعظم وجامع كتشاوة باللغة العربية، حيث رعت السلطة العثمانية العلماء وأوقفت الأوقاف السخية لتمويل المدارس والمكتبات.
التفاعل مع المصطلحات العثمانية
خلال هذا العهد الذي امتد لثلاثة قرون، دخلت بعض المصطلحات التركية العثمانية إلى المعجم الجزائري اليومي، ولا تزال مستخدمة حتى اليوم في الدارجة الجزائرية (مثل: “طبسي” للصحن، “خاوجي” لصانع القهوة، “دوزان” للأدوات). ومع ذلك، ظل الهيكل اللغوي الأساسي للبلاد عربياً إسلامياً خالصاً، مدعوماً برصيد ضخم من الآداب والمخطوطات التي كانت تزخر بها خزائن المساجد والزوايا.
| الحقبة التاريخية | الوضع القانوني والاجتماعي للغة العربية | المؤسسات التعليمية الحاضنة | أبرز التحديات اللغوية |
|---|---|---|---|
| (الفتوحات) | لغة الدين الجديد والإدارة الناشئة، تفاعل إيجابي مع الأمازيغية. | المساجد الجامعة، الحلقات العلمية الأولى. | صعوبة الانتشار الأولي في المناطق الجبلية النائية. |
| (الدول المستقلة) | لغة العلم والفلسفة والأدب الرسمي والتدوين الأكاديمي. | مدارس بجاية، تلمسان، وتاهرت، والمكتبات الملكية. | الحروب والصراعات السياسية بين الإمارات والممالك. |
| (العهد العثماني) | لغة القضاء، الدين، والمعاملات الشعبية؛ التركية لغة الجيش والإدارة العليا. | الزوايا، الكتاتيب، الجوامع الكبرى (كتشاوة). | انحصار الإبداع العلمي في إطار الشروح والحواشي الفقهية. |
| (الاستعمار الفرنسي) | محاربة ممنهجة، اعتبارها “لغة أجنبية” بموجب القانون. | المدارس الحرة لجمعية العلماء المسلمين، الزوايا السرية. | سياسة التفرنس، التجهيل، ومحاولات مسخ الهوية الوطنية. |
| (الاستقلال) | اللغة الرسمية والوطنية الأولى بنص الدستور. | المدارس الحكومية، الجامعات، مجمع اللغة العربية الجزائري. | مخلفات ثنائية اللغة، التحديات التكنولوجية والرقمية. |
4. الحقبة الاستعمارية الفرنسية (Période coloniale): حرب الإبادة الثقافية والتفرنس
مع سقوط مدينة الجزائر في يد الاحتلال الفرنسي عام 1830، دخلت اللغة العربية في أصعب وأخطر فترات تاريخها. لم يكن الاستعمار الفرنسي استعماراً عسكرياً واقتصادياً فحسب، بل كان استعماراً استيطانياً يهدف إلى مسخ الوجدان واستبدال الذاكرة الجماعية والشخصية الجزائرية بالثقافة الفرنسية (Francisation).
تدمير البنية التعليمية ومصادرة الأوقاف
في السنوات الأولى للاحتلال، عمدت الإدارة الاستعمارية إلى مصادرة أوقاف المساجد والزوايا التي كانت تمول التعليم العربي. هُدمت المدارس والكتاتيب التاريخية، وحُرم الجزائريون من التعليم بلغتهم الأم. وبحسب تقارير فرنسية رسمية في تلك الفترة، فإن نسبة الأمية بين الجزائريين ارتفعت بشكل مرعب بعد عقود من الاحتلال، بعد أن كانت نسبة من يعرف القراءة والكتابة بالعربية قبل 1830 تفوق نظيرتها في فرنسا نفسها.
قانون 1938 المشؤوم: تصنيف العربية لغة أجنبية
بلغ التضييق الاستعماري على لغة الضاد ذروته بإصدار المرسوم الفرنسي المؤرخ في (المعروف بمرسوم شوطون)، والذي نص صراحة على اعتبار اللغة العربية **”لغة أجنبية”** في الجزائر! بموجب هذا القانون العنصري، جُرّم تدريس العربية في المدارس دون ترخيص رسمي مسبق، وكان يعاقب كل معلم يدرسها بطرق غير قانونية بالسجن والغرامة المادية. كان الهدف واضحاً: قطع صلة الأجيال الصاعدة بقرآنها، وتاريخها، ومحيطها العربي والإسلامي.
جدار الصمود: زوايا الصحراء ومدارس جمعية العلماء المسلمين
أمام هذه الهجمة الشرسة على المقومات الوطنية، هب الشعب الجزائري للدفاع عن لغته ودينه. لعبت الزوايا في جبال القبائل، والأوراس، والجنوب الكبير (مثل منطقة توات وميزاب) دوراً بطولياً في إبقاء شعلة العربية متقدة عبر نسخ المخطوطات والتدريس السري في المغارات والبيوت الطينية (الدشرة).
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، قاد العلامة الشيخ **عبد الحميد بن باديس** رفقة كوكبة من العلماء الأجلاء (مثل البشير الإبراهيمي، الطيب العقبي، ومبارك الميلي) حركة إصلاحية كبرى من خلال تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في عام 1931. رفعت الجمعية شعارها الخالد الذي زلزل أركان المستعمر:
“الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا”
— شعار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
أنشأت الجمعية مئات المدارس الابتدائية الحرة التي علمت آلاف الأطفال الجزائريين أصول اللغة العربية الفصحى والتاريخ الإسلامي، وساهمت مجلاتها مثل “الشهاب” و”البصائر” في صقل أسلوب أدبي جزائري راقٍ يضاهي أرقى ما كُتب في المشرق العربي، مما هيأ الأرضية الثقافية لانطلاق الثورة التحريرية المظفرة عام 1954.
5. معركة الاستقلال والتعريب: إعادة بناء الذات الوطنية
حينما أشرقت شمس الاستقلال في ، ورثت الدولة الجزائرية الفتية تركة ثقيلة جداً من مخلفات السياسة الاستعمارية. كان قطاع الإدارة، والصحة، والتعليم مفرنساً بالكامل، وكان هناك نقص فادح في المعلمين والأساتذة المؤهلين للتدريس باللغة العربية.
مسار التعريب: الإنجازات والتحديات
وضعت القيادة السياسية الجزائرية، بدءاً من الرئيس أحمد بن بلة ثم الرئيس هواري بومدين، قضية “التعريب” في صدارة أولويات السيادة الوطنية. استعانت الجزائر بأساتذة ومعلمين من الدول العربية الشقيقة كـ مصر، وسوريا، والعراق، لتغطية العجز البشري في المدارس. وتدريجياً، عُربت المناهج التعليمية في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وأُسس معهد تعريب الإدارة وهيئات علمية متخصصة لمتابعة هذه العملية الحيوية.
القوانين والتشريعات الداعمة للغة العربية
صدرت عدة قوانين هامة تهدف إلى حماية وتطوير استخدام اللغة العربية في مختلف مجالات الحياة العامة، منها:
- تعريب المحيط: إلزامية كتابة لافتات الشوارع، والمؤسسات الرسمية، والشركات باللغة العربية.
- قانون تعميم استعمال اللغة العربية (1991/1998): الذي فرض استخدام اللغة العربية في جميع المعاملات الإدارية، والندوات، والوثائق الرسمية.
- تأسيس المجلس الأعلى للغة العربية: كهيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية تعمل على ترقية لغة الضاد وتطويرها لتواكب العصر والحوسبة والرقمنة.
6. التراث اللغوي والأدبي الجزائري: إشعاع فكري ممتد
أنتجت الجزائر عبر تاريخها الطويل إنتاجاً فكرياً وأدبياً غزيراً باللغة العربية الفصيحة، تنوع بين الفقه، والتاريخ، والجغرافيا، والشعر الفصيح والملحون. هذا التراث يمثل اليوم ثروة وطنية وإنسانية مسجلة في كبريات المكتبات العالمية ويحتاج إلى دراسة وتنقيب مستمرين.
المخطوطات الجزائرية: كنوز معرفية في مهب الريح
تزخر الجزائر بآلاف المخطوطات النادرة الموزعة على المكتبات الوطنية والخاصة. وتعتبر المكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة في العاصمة إحدى أهم الخزائن التي تحافظ على هذا الموروث (Patrimoine) الثمين. كما تحتوي منطقة توات (أدرار) في جنوبنا الكبير على خزائن مخطوطات عائلية نادرة تتوارثها الأجيال، وتضم رسائل فقهية، وتاريخية، ومراسلات دبلوماسية تثبت مدى تجذر الثقافة العربية والإسلامية في تلك الربوع الصحراوية.
الأدب والشعر الشعبي (الملحون) وحفظ الذاكرة
لم يقتصر الحفاظ على العربية على النخبة المتعلمة، بل ساهم الشعب الجزائري البسيط في حمايتها عبر الشعر الشعبي أو ما يُعرف بـ “الملحون”. هذا الفن الأدبي الراقي يعتمد على لغة وسيطة قريبة جداً من العربية الفصيحة، وصفت بدقة معارك المقاومة الشعبية ضد الاستعمار (مثل قصائد الأمير عبد القادر، وقصائد سيدي لخضر بن خلوف)، وحفظت التواريخ والأنصاب والذاكرة الجماعية للأمة الجزائرية.
7. دليل عملي: كيف تبحث وتساهم في حفظ التراث اللغوي الجزائري؟
إذا كنت طالباً، باحثاً، أو مهتماً بالتاريخ والثقافة اللغوية للجزائر، يمكنك اتباع الخطوات العملية التالية للمساهمة في دراسة وحفظ هذا الإرث الحضاري:
أولاً: استغلال المنصات الأكاديمية والبحثية
- قم بزيارة البوابة الجزائرية للمجلات العلمية ASJP للوصول إلى آلاف الأبحاث الأكاديمية المجانية حول تاريخ اللغة العربية وصراع الهوية في الجزائر.
- زر المكتبات المركزية للجامعات الجزائرية (مثل جامعة الجزائر 1 بن يوسف بن خدة، وجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة) للاطلاع على رسائل الماجستير والدكتوراه المتخصصة.
ثانياً: زيارة وتوثيق معالم الحواضر اللغوية
- خطط لزيارة المعالم التاريخية في بجاية (قصبة بجاية، أبواب المدينة) وتلمسان (المسجد الكبير، قلعة المشور) للوقوف على شواهد العصر الذهبي للتدوين العلمي.
- قم بزيارة زاوية الهامل بـ بوسعادة أو زوايا وادي ميزاب للاطلاع على كيفية حفظ المخطوطات والتعليم القرآني الأصيل.
ثالثاً: المساهمة الرقمية
- ساهم في إثراء المحتوى العربي على الإنترنت من خلال كتابة مقالات موثقة حول الشخصيات الأدبية والتاريخية الجزائرية المنسية.
- شارك في مشاريع الرقمنة وفهرسة المخطوطات القديمة التي تملكها العائلات في القرى والجنوب لحمايتها من التلف والضياع.
8. تصحيح مفاهيم مغلوطة وأخطاء شائعة في التاريخ اللغوي الجزائري
هناك العديد من الأطروحات والمفاهيم المغلوطة التي تروجها بعض الدوائر الاستعمارية أو الاستشراقية حول واقع اللغة العربية في الجزائر. نوضح هنا حقيقتها بالأدلة التاريخية العلمية:
المفهوم المغلوط الأول: “الجزائر لم تكن تتحدث العربية قبل الاستقلال والتعريب كان مفروضاً”
الحقيقة التاريخية: التعريب بعد الاستقلال لم يكن فرضاً للغة غريبة، بل كان استرجاعاً للغة الطبيعية والتاريخية للبلاد. تشير وثائق الأرشيف الفرنسي نفسه إلى أن نسبة التعليم بالعربية قبل 1830 كانت تفوق 40% من السكان، وأن الاستعمار هو من فرنس المحيط وحارب اللغة الأصيلة بالقوة والتشريعات القمعية.
المفهوم المغلوط الثاني: “اللغة العربية في صراع وتصادم مع اللغة الأمازيغية تاريخياً”
الحقيقة التاريخية: التفاعل بين العربية والأمازيغية كان تفاعلاً حضارياً وتكاملياً مبنياً على الأخوة الإسلامية والمصير المشترك. تُرجمت أمهات الكتب الفقهية العربية إلى الأمازيغية بالحرف العربي، وكتب كبار علماء الأمازيغ مصنفاتهم بالعربية الفصيحة (مثل ابن آجروم الصنهاجي واضع متن الأجرومية في النحو). الدستور الجزائري الحالي يقرر بوضوح أن العربية والأمازيغية هما الركيزتان الأساسيتان للهوية الوطنية اللسانيّة.
المفهوم المغلوط الثالث: “الدارجة الجزائرية هي لغة مستقلة وبعيدة كل البعد عن الفصحى”
الحقيقة التاريخية: أثبتت الدراسات اللسانية المقارنة أن أكثر من 70% من مفردات التخاطب اليومي في الدارجة الجزائرية هي كلمات عربية فصيحة مخففة أو مسهلة اللفظ، مع وجود تراكيب نحوية تعود إلى اللغات المحلية القديمة (الأمازيغية)، وهو أمر طبيعي يحدث في كل لغات العالم نتيجة التلاقح الحضاري.
9. الأسئلة الشائعة حول تاريخ اللغة العربية في الجزائر (FAQ)
متى دخلت اللغة العربية إلى الجزائر رسمياً؟
بدأ دخول اللغة العربية إلى الجزائر مع الفتوحات الإسلامية الأولى في شمال إفريقيا خلال القرن السابع الميلادي (القرن الأول الهجري)، وتوطدت أكثر مع هجرات القبائل العربية (بني هلال وبني سليم) في القرن الحادي عشر الميلادي.
ما هو القانون الاستعماري الذي اعتبر العربية لغة أجنبية في الجزائر؟
هو مرسوم شوطون الصادر عن السلطات الفرنسية في ، والذي نص على تصنيف اللغة العربية كلغة أجنبية في الجزائر للحد من تدريسها ونشرها بين الجزائريين.
ما هو دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الحفاظ على اللغة العربية؟
قامت الجمعية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس بتأسيس شبكة واسعة من المدارس الحرة لتعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية، ونشر الصحف والمجلات الثقافية التوعوية، ورفع الوعي بالهوية الوطنية لمواجهة سياسات التفرنس الاستعمارية.
كيف يعالج الدستور الجزائري المسألة اللغوية حالياً؟
ينص الدستور الجزائري بوضوح في مادته الثالثة على أن “اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية للدولة”، بينما تنص المادة الرابعة على أن “تمازيغت هي كذلك لغة وطنية ورسمية”، مما يعكس التنوع والانسجام الثقافي التاريخي للبلاد.
10. خاتمة وتطلعات مستقبلية
إن قصة صمود اللغة العربية في الجزائر هي ملحمة نادرة من ملاحم الدفاع عن الكيان والوجود الحضاري. فعلى الرغم من محاولات الطمس والتهجير الثقافي الممنهجة التي دامت قرناً وثلاثين عاماً إبان الاحتلال الفرنسي (Période coloniale)، استطاعت لغة الضاد أن تخرج منتصرة بفضل تمسك الشعب الجزائري بعقيدته، وبفضل جهود علمائه ومصلحيه في الزوايا والكتاتيب والمدارس الحرة. اليوم، تقف العربية في الجزائر أمام تحديات جديدة لا تقل أهمية؛ وهي مواكبة الثورة الرقمية، وحوسبة العلوم، وتحديث المناهج لتصبح لغة إنتاج معرفي وعلمي يساهم في رقي الأمة وتطورها في المحافل الدولية.
يمكنكم متابعة المزيد من الدراسات المعمقة حول الذاكرة والتاريخ الجزائري عبر زيارة قسم التاريخ في أخبار الجزائر، حيث نسعى دوماً لتقديم قراءات تاريخية موثقة ومعمقة تليق بعراقة أمتنا.
شاركنا رأيك: ما هي في نظرك أهم خطوة يجب اتخاذها اليوم لتعزيز مكانة اللغة العربية في الأوساط العلمية والتكنولوجية بالجزائر؟ شاركنا برأيك في التعليقات أسفل المقال.
إذا أعجبك هذا المقال وتفاصيله التاريخية الموثقة، لا تتردد في مشاركته مع أصدقائك والمهتمين بالتاريخ والتراث الجزائري والعربي.
المصادر والمراجع:
- سعد الله، أبو القاسم. (2007). تاريخ الجزائر الثقافي (ط. 2). دار الغرب الإسلامي، بيروت.
- الميلي، مبارك بن محمد. (1986). تاريخ الجزائر في القديم والحديث. المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر.
- بن باديس، عبد الحميد. (1984). آثار الإمام عبد الحميد بن باديس. وزارة الشؤون الدينية، الجزائر.
- المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر: التقارير والدراسات السنوية حول تعميم استعمال اللغة العربية.
- وثائق ومقالات علمية من البوابة الجزائرية للمجلات العلمية (ASJP).

