تاريخ المسرح الجزائري: قصة الركح الثائر والهوية الأصيلة

تاريخ المسرح الجزائري: ملحمة الركح الثائر وسؤال الهوية الوطنية
رحلة توثيقية عميقة في الذاكرة الثقافية للجزائر؛ نتقصى فيها جذور الفن الركحي من ظاهرة “الحلقة” الشعبية، مروراً بمسرح المقاومة ومسيرة الرواد، ووصولاً إلى تجارب الحداثة ومسرح الحلقة التجريبي.
هل يمكن لخشبة مسرح خشبية بسيطة، تضاء بمصابيح الزيت الخافتة، أن تهزّ أركان إمبراطورية استعمارية مدججة بالسلاح؟ في الجزائر، لم يكن المسرح مجرد أداة ترفيهية أو ترف فكري مستورد، بل كان خندقاً نضالياً متقدماً، وسلاحاً ثقافياً فتاكاً صِيغَتْ من خلاله الهوية الوطنية في أحلك الظروف التاريخية. إن تاريخ المسرح الجزائري هو قصة صراع وجودي خاضه “الركح الثائر” ضد محاولات الطمس والفرنسة، متحولاً من طقوس الحكي الشعبي في الأسواق والدواوير إلى منبر ثوري يصدح بالحرية في كبريات المسارح العالمية.
في هذا البحث الموسع الذي تقدمه منصة أخبار الجزائر، سنغوص في أعماق الذاكرة الفنية للجزائر. لن نكتفي بسرد التواريخ الجافة، بل سنكشف العوامل السوسيو-ثقافية التي شكلت هذا الفن الفريد، مستندين إلى مراجع أكاديمية موثقة وشهادات تاريخية حية، لنرى كيف استلهم الرواد الجزائريون من تراثهم الشعبي مثل “الحلقة” و”القوال” ليصنعوا مسرحاً يضاهي بريخت في تغريبه، ويتفوق عليه في أصالته والتحامه بالجماهير.
1. الجذور والتأسيس: الأشكال شبه المسرحية في الجزائر قبل عام 1926
من الأخطاء التاريخية الشائعة التي روجت لها الكولونيالية الفرنسية (Période coloniale) هي أن الجزائر كانت صحراء ثقافية قاحلة قبل دخول المعمرين، وأن الفن المسرحي دخل مع الجيوش الغازية. الحقيقة التاريخية والأكاديمية تؤكد أن المجتمع الجزائري عرف أشكالاً فرجوية ودرامية أصيلة ضاربة في عمق التاريخ، نبعت من بيئته الاجتماعية وعبرت عن همومه الجمعية.
أولاً: ظاهرة “الحلقة” وسلطة “القوال”
تعتبر الحلقة النواة الأولى والبديل الطبيعي للمسرح الكلاسيكي في الجزائر. كانت تقام في الأسواق الأسبوعية، وساحات القرى (القرية أو “الدشرة”)، وبجوار أضرحة الأولياء الصالحين (الزوايا). يتوسط هذه الحلقة “القوال” أو “المدّاح”، وهو شخصية محورية تمتلك قدرات خارقة على تشخيص الأدوار، وتغيير طبقات الصوت، والارتجال.
لم يكن المتفرج في الحلقة مستهلكاً سلبياً؛ بل كان شريكاً فعالاً في اللعبة الدرامية، حيث يتدخل بالتعليق، أو الدعاء، أو حتى بالمشاركة الجسدية في المشهد. هذا الفضاء الدائري المفتوح كسر الجدار الرابع قبل أن ينظر له المسرحي الألماني “برتولد بريخت” بعقود طويلة.
ثانياً: مسرح “القراقوز” (خيال الظل) وصراع الهوية
خلال العهد العثماني، انتشر مسرح “القراقوز” (عرائس الظل) في الحواضر الكبرى مثل القصبة في الجزائر العاصمة، وقسنطينة، ووهران. كان هذا الفن وسيلة نقدية لاذعة تسخر من الحكام المحليين والفساد الإداري.
ومع بداية الاحتلال الفرنسي عام 1830، أدركت السلطات الاستعمارية خطورة هذا الفن؛ ففي عام ، أصدر الحاكم العام الفرنسي قراراً رسمياً بمنع عروض “القراقوز” نهائياً في الجزائر، بسبب دورها التحريضي في إثارة الجماهير وتوعيتهم سياسياً، مما يمثل أول رقابة عسكرية استعمارية على الفن في التاريخ الجزائري الحديث.
2. مرحلة التأسيس الفعلي وميلاد المسرح باللغة الوطنية (1926 – 1939)
إذا كان القرن التاسع عشر قد شهد عروضاً مسرحية فرنسية موجهة للجاليات الأوروبية في الجزائر (مثل بناء دار الأوبرا عام 1853)، فإن المسرح الجزائري المكتوب والناطق باللغة العربية والدارجة لم يولد رسمياً إلا في منتصف عشرينيات القرن العشرين، وتحديداً عام .
أولاً: علالو (علي سلالي) وولادة مسرح “جحا”
يُجمع المؤرخون على أن ليلة هي شهادة الميلاد الحقيقية للمسرح الجزائري المتكامل الأركان. في تلك الليلة، عُرضت مسرحية “جحا” للرائد علالو (علي سلالي) على خشبة مسرح “تريانون” بالعاصمة.
كانت هذه المسرحية ثورة بحد ذاتها؛ إذ اعتمدت على الحكاية الشعبية التراثية، وقُدمت بالعامية الجزائرية المفهومة للعامة، بعد أن كان الاعتقاد السائد أن العامية لا تصلح للفن الراقي. نجاح “جحا” فتح الباب واسعاً أمام تأسيس حركة مسرحية جزائرية خالصة.
ثانياً: محيي الدين بشتارزي وصناعة “المسرح الغنائي”
يعد محيي الدين بشتارزي (1897 – 1988) الأب الروحي للمسرح الجزائري. استغل بشتارزي مكانته كصوت رخيم ومؤذن ومغني أندلسي شهير ليجذب الجماهير المحافظة إلى المسرح. أسس فرقته الخاصة التي طافت ربوع الجزائر، بل وتجاوزتها إلى دول المغرب العربي وفرنسا.
تميز مسرح بشتارزي بالجمع بين الغناء الأصيل والتمثيل الهادف، وطرح قضايا اجتماعية حساسة مثل: زواج القاصرات، محاربة الآفات الاجتماعية، والدعوة إلى التعليم والتمسك بالهوية العربية الإسلامية في مواجهة سياسات الفرنسة الممنهجة.
ثالثاً: رشيد قسنطيني وسخرية النقد الاجتماعي
لا يمكن الحديث عن هذه الفترة دون الوقوف عند عبقرية رشيد قسنطيني (1887 – 1944). كان قسنطيني ظاهرة مسرحية فريدة بفضل قدرته الارتجالية الهائلة وموهبته الفطرية في الكوميديا السوداء. قدم عشرات المونولوجات والمسرحيات القصيرة التي انتقدت الواقع المعيشي المأساوي للجزائريين تحت وطأة الاستعمار، مستخدماً لغة بسيطة وحادة تلامس شغاف قلوب البسطاء والفقراء.
3. المسرح في عين الإعصار: من الرقابة الكولونيالية إلى جبهة التحرير (1939 – 1962)
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وتصاعد المد التحرري في الجزائر، ضيقت السلطات الاستعمارية الخناق على المسرحيين الجزائريين. فرضت رقابة مشددة (Censure) على النصوص، واشترطت الحصول على تراخيص مسبقة وصعبة، بل وقامت بنفي وسجن العديد من الفنانين. إلا أن هذه الإجراءات القمعية لم تزد المسرح إلا قوة والتحاماً بالقضية الوطنية.
أولاً: الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني (1958)
في خضم الثورة التحريرية الكبرى ( – )، وتحديداً في عام ، اتخذت قيادة جبهة التحرير الوطني (FLN) قراراً استراتيجياً بتأسيس الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني في تونس، وأوكلت مهمة قيادتها للفنان المناضل مصطفى كاتب.
“إن الفرقة الفنية لم تكن مجرد فرقة ممثلين، بل كانت سفارة ثقافية متنقلة وجيشاً ثانياً يحارب بالكلمة واللحن لتسمع الدنيا صدى القضية الجزائرية.”
— من وثائق أرشيف جبهة التحرير الوطني الثقافي
ضمت الفرقة نخبة من الفنانين الفارين من بطش الاستعمار في فرنسا والجزائر، مثل: أحمد وهبي، رويشد، جعفر بك، وطه العامري. قدمت الفرقة مسرحيات خالدة هزت الرأي العام الدولي، منها:
- نحو النور: التي صورت معاناة الشعب الجزائري وتطلعه للانعتاق من العبودية الكولونيالية.
- الخارجون عن القانون: التي بررت الكفاح المسلح وأظهرت نبل وعدالة القضية الثورية.
- أبناء القصبة: التي نقلت للعالم تفاصيل معركة الجزائر التاريخية وبطولات الفدائيين في حي القصبة العتيق.
طافت هذه الفرقة العديد من دول العالم (مثل الصين، الاتحاد السوفيتي، يوغوسلافيا، وتونس)، مساهمة بشكل فعال في تدويل القضية الجزائرية وإبراز الوجه الحضاري للثورة.
4. العصر الذهبي وتأصيل الفرجة الشعبية بعد الاستقلال (1962 – 1990)
بمجرد استرجاع السيادة الوطنية عام ، شهد الحقل الثقافي حركة دؤوبة لإعادة بناء المشهد الفني. وفي عام ، صدر مرسوم تاريخي يقضي بتأميم المسرح وتأسيس المسرح الوطني الجزائري (TNA) بقيادة مصطفى كاتب، واتخذ من دار الأوبرا القديمة في العاصمة مقراً له.
أولاً: كاتب ياسين ومسرح العمل “المسرح المقاتل”
يُعتبر الأديب العالمي كاتب ياسين (1929 – 1989) مجدداً راديكالياً في مسيرة المسرح الجزائري. بعد سنوات من الكتابة باللغة الفرنسية (مثل روايته الشهيرة “نجمة”)، قرر كاتب ياسين في بداية السبعينيات إحداث قطيعة لغوية مع المستعمر، متوجهاً إلى الشعب بلغتهم اليومية (الدارجة الجزائرية المحكية).
أسس فرقة “مسرح البحر” وقدم أعمالاً ثورية ذات طابع بريختي تحريضي مثل مسرحية “محمد اركب حقيبتك” (Mohamed prends ta valise) التي عالجت بجرأة منقطعة النظير قضايا الهجرة، والبيروقراطية، والاضطهاد الطبقي. اتسم مسرح ياسين بالبساطة البصرية والاعتماد التام على الأداء الجسدي القوي للممثل.
ثانياً: عبد القادر علولة ونظرية “مسرح الحلقة”
يمثل الراحل عبد القادر علولة (1939 – 1994) قمة النضج النظري والعملي في المسرح الجزائري. رفض علولة استيراد العلبة الإيطالية (الركح التقليدي) بشكل أعمى، ودعا إلى ضرورة العودة إلى الأشكال الفرجوية الشعبية وتطويرها لتلائم العصر.
تجلت عبقرية علولة في ثلاثيته الشهيرة المصممة وفق فلسفة “الحلقة”:
- الأجواد (1984): التي ناقش من خلالها معاناة الطبقة الكادحة وانهيار منظومة القيم المادية في المجتمع.
- القول (1980): والتي أعادت الاعتبار لـ “القوال” كمحرك أساسي للعمل الدرامي والوعي المجتمعي.
- الخبزة (1970): التي صرخت ضد الجشع الرأسمالي واستغلال عرق العمال.
في مسرح علولة، يجلس الممثلون والمتفرجون في فضاء شبه دائرى مشترك، مما أتاح تفاعلاً حياً وحميمياً كسر الحواجز النفسية والفيزيائية بين المبدع والمتلقي.
ثالثاً: ولد عبد الرحمن كاكي وتجربة “مسرح ديوان القراقوز”
قدم المخرج الفذ ولد عبد الرحمن كاكي (1934 – 1995) في مستغانم تجارب مسرحية مذهلة دمجت بذكاء بين الطقوس الصوفية، والموسيقى الأندلسية والشعبية، ومسرح التغريب الحديث. مسرحيات مثل “القراب والصالحين” و“ديوان القراقوز” تعتبر تحفاً فنية كشفت عن غنى المخيال الشعبي الجزائري وعمقه الفلسفي.
5. مسرح الدم والمقاومة: تحدي الإرهاب في تسعينيات القرن العشرين
دخلت الجزائر في تسعينيات القرن العشرين نفقاً مظلماً عُرف تاريخياً بـ “العشرية السوداء”. واجه المثقفون والفنانون استهدافاً دموياً ممنهجاً من قِبل الجماعات الإرهابية المسلحة التي حاولت كتم صوت العقل والجمال.
دفع المسرح الجزائري ضريبة دم غالية جداً؛ ففي ، تم اغتيال عملاق المسرح عبد القادر علولة في وهران وهو في طريقه لإلقاء محاضرة. ولم تمر سوى أشهر قليلة حتى اغتيل المخرج والممثل الفذ ومدير المسرح الوطني عز الدين مجوبي في أمام باب المسرح الوطني بالعاصمة.
رغم هذه الفواجع والمآسي الكبرى، لم تغلق قاعات المسرح أبوابها. تحولت الخشبة إلى منبر أسبوعي للتنديد بالعنف والتطرف والدفاع عن مدنية الدولة وحرية التعبير، مؤكدة أن “الركح” في الجزائر ولد ليكون ثائراً ومقاوماً، ولا يمكن لأي قوى ظلامية أن تطفئ جذوته.
6. قراءة تحليلية مقارنة وجدول زمني لأبرز المحطات التاريخية
لتسهيل استيعاب هذا التاريخ الغني والمتشعب للمسرح الجزائري، نلخص في الجداول التالية أبرز المحطات التاريخية والخصائص الفنية لأهم المدارس المسرحية التي تشكلت عبر الزمن.
جدول زمني: المحطات الفاصلة في تاريخ المسرح الجزائري
| السنة / الفترة | الحدث التاريخي المفصلي | الأثر والنتيجة على المشهد الفني |
|---|---|---|
| 1843 | حظر مسرح “القراقوز” (خيال الظل) بقرار استعماري فرنسي. | بداية المقاومة الثقافية السرية والبحث عن بدائل نضالية. |
| 1926 | عرض مسرحية “جحا” للرائد علالو (علي سلالي). | الولادة الرسمية للمسرح الجزائري باللغة العامية المفهومة. |
| 1958 | تأسيس الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني في تونس. | تدويل القضية الجزائرية وإيصال صوت الثورة عبر المسارح العالمية. |
| 1963 | تأميم المسارح وتأسيس “المسرح الوطني الجزائري”. | انطلاق عهد الهيكلة والاحترافية والإنتاج الثقافي المدعوم حكومياً. |
| 1994 | اغتيال الكاتب والمخرج الكبير عبد القادر علولة على يد الإرهاب. | صدمة كبرى للمبدعين، وتحول المسرح إلى درع فكري في مواجهة التطرف. |
مقارنة فنية: فلسفة العرض لدى رواد العصر الذهبي
| الرائد المسرحي | الأسلوب والمنهج الجمالي | أهم الرموز والابتكارات |
|---|---|---|
| عبد القادر علولة | مسرح الحلقة والمداح (تحطيم العلبة الإيطالية والاندماج مع الجمهور). | ثنائية المتلقي والراوي، الارتجال المدروس، التركيز على الممثل العاري من الإكسسوارات المعقدة. |
| ولد عبد الرحمن كاكي | الدمج بين التراث الفلكلوري الغنائي، الطقوس الصوفية، ومسرح بريخت الملحمي. | استخدام الموسيقى الروحية والقصائد الملحونة كرافع درامي أساسي للأحداث. |
| كاتب ياسين | المسرح التحريضي السياسي المباشر باللغة العامية الحادة (مسرح العمل). | شخصية “محمد” كرمز للعامل الجزائري المهاجر والمناضل الكادح عالمياً. |
7. تحذير: مفاهيم مغلوطة وأخطاء شائعة في تاريخ المسرح الجزائري
تزخر الساحة الثقافية والإعلامية ببعض المعلومات المغلوطة أو المجتزأة حول نشأة وتطور المسرح في الجزائر، ومن واجب التوثيق العلمي رصدها وتصحيحها بناءً على الدراسات التاريخية الرصينة:
التصحيح العلمي: على الرغم من أن الشكل المعماري للمسارح الحديثة (العلبة الإيطالية) يعود للمرحلة الاستعمارية، إلا أن جوهر الأداء المسرحي الدرامي، والفرجة، وكسر الجدار الرابع يعود لقرون طويلة من خلال طقوس “الحلقة”، “المدّاح”، و”القوال”، وهي أشكال مسرحية متكاملة نابعة من الأصالة الشعبية والروح الاجتماعية المحلية.
التصحيح العلمي: محيي الدين بشتارزي لم يكن مجرد مؤدٍ أو إداري، بل كان كاتباً مسرحياً بارعاً ومترجماً ومقتبساً نقل العديد من الروائع العالمية (مثل أعمال موليير) ومصّرها بذكاء شديد لتتلاءم مع العقلية الثقافية للمجتمع الجزائري، مساهماً في خلق ذائقة مسرحية وطنية مبكرة.
التصحيح العلمي: كتابات كاتب ياسين الأولى بالفرنسية (مثل مسرحية “الجثة المطوقة”) كانت في قلب النضال الثوري. لقد استخدم الرواد اللغة الفرنسية “كغنيمة حرب” (وفق التعبير الشهير لكاتب ياسين نفسه) لمخاطبة الرأي العام الغربي وفضح الفظائع الكولونيالية بلغتها الخاصة، قبل أن يقرروا لاحقاً تعريب مسرحهم رغبة في الالتحام الكامل مع الجماهير العريضة.
8. دليل عملي: كيف تستكشف وتدرس تاريخ المسرح الجزائري اليوم؟
إذا كنت باحثاً أكاديمياً، أو طالباً جامعياً، أو ببساطة من عشاق الفن الرابع وترغب في سبر أغوار هذا التراث العريق، نقترح عليك المسارات العملية التالية للبحث والمشاهدة:
أولاً: زيارة المعالم التاريخية للمسرح
- المسرح الوطني الجزائري “محيي الدين بشتارزي” (الجزائر العاصمة): يقع في قلب العاصمة بمحاذاة ساحة بورسعيد التاريخية. هندسته المعمارية الأوروبية الفاخرة التي تعود للقرن التاسع عشر تخفي بداخلها تاريخاً طويلاً من الصراع والنضال الثقافي. يمكنك حضور العروض الدورية وزيارة الأرشيف المتواجد بالمبنى.
- المسرح الجهوي بوهران “عبد القادر علولة”: تحفة معمارية رائعة في ساحة أول نوفمبر بوهران، ويعد معقلاً لتجربة مسرح الحلقة والتأصيل التراثي.
- مهرجان مستغانم للمسرح الهاوي: يُعد أقدم مهرجان للمسرح في إفريقيا والعالم العربي (تأسس عام 1967). حضور هذا المهرجان السنوي يتيح لك رؤية كيف يتناقل الهواة والشباب شعلة الرواد (مثل ولد عبد الرحمن كاكي) ويطورونها بأنفاس معاصرة.
ثانياً: مصادر رقمية ومكتبات للبحث الأكاديمي
- مكتبة المسرح الوطني الجزائري: تحتوي على آلاف المخطوطات والسيناريوهات النادرة والملصقات القديمة التي توثق للمسرح الجزائري منذ عشرينيات القرن الماضي.
- الأرشيف الوطني الجزائري: يتضمن وثائق هامة حول الرقابة الفرنسية المفروضة على المسرحيين الجزائريين خلال الفترة الاستعمارية وسجلات الفرق الفنية الثورية.
- يمكنك متابعة التغطيات الحية والبحوث التوثيقية الدورية التي تصدر ضمن قسم التاريخ في منصة أخبار الجزائر لتظل على اطلاع بأحدث الاكتشافات والدراسات التاريخية المرتبطة بالتراث الثقافي الجزائري.
9. الأسئلة الشائعة حول تاريخ المسرح الجزائري (FAQ)
نستعرض هنا أكثر الأسئلة تداولاً وبحثاً من قبل المهتمين والباحثين في شؤون الفن الركحي الجزائري، مع إجابات موجزة ودقيقة تعتمد التوثيق التاريخي:
س1: من هو المؤسس الفعلي للمسرح الجزائري الحديث؟
ج: يعتبر الفنان علالو (علي سلالي) هو المؤسس الفعلي بأول عرض مسرحي متكامل بالعامية الجزائرية وهو مسرحية “جحا” عام 1926. بينما يجمع النقاد على أن محيي الدين بشتارزي هو الأب الروحي والمنظم الذي قاد مسيرة مأسسة وتعميم الفن المسرحي في ربوع الوطن.
س2: ما هي “الحلقة” وكيف أثرت في شكل المسرح الجزائري؟
ج: الحلقة هي شكل فرجوي شعبي دائري قديم يقوده “القوال” أو “المدّاح” في الساحات العامة. وقد ألهمت رواداً كباراً مثل عبد القادر علولة وولد عبد الرحمن كاكي لتأسيس نظرية مسرحية جزائرية بديلة للعلبة الإيطالية، تعتمد على تدمير الجدار الرابع والاندماج الكامل بين الجمهور والمنصة.
س3: ما هو الدور الذي لعبته الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني خلال الثورة؟
ج: تأسست الفرقة عام 1958 بقيادة مصطفى كاتب بتوجيه من جبهة التحرير الوطني للتأكيد على البعد الثقافي والحضاري للثورة الجزائرية. قامت الفرقة بجولات عالمية لعرض مسرحيات ثورية تفضح الاستعمار وتكسب الدعم السياسي والمادي للقضية الوطنية عالمياً.
س4: لماذا تم اغتيال رواد المسرح مثل عبد القادر علولة وعز الدين مجوبي في التسعينيات؟
ج: تم استهدافهما من قِبل الجماعات الإرهابية المسلحة خلال العشرية السوداء بسبب مواقفهم الفكرية والوطنية الشجاعة، ولدور المسرح كقوة تنويرية تحارب الجهل والتطرف والظلام، وتدافع عن قيم الحرية والديمقراطية والهوية الوطنية الجامعة.
س5: أين يمكنني دراسة المسرح والتمثيل أكاديمياً في الجزائر اليوم؟
ج: تتوفر الدراسة الأكاديمية المتخصصة في المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري (ISMAS) ببرج الكيفان في الجزائر العاصمة، بالإضافة إلى أقسام الفنون والآداب في العديد من الجامعات الجزائرية الكبرى مثل جامعة وهران وجامعة باتنة.
خاتمة: شعلة الركح التي لا تنطفئ
في نهاية هذا السفر الممتع عبر محطات تاريخ المسرح الجزائري، ندرك بوضوح أن هذا الفن لم يكن ترفاً أو تقليداً أعمى، بل كان مرآة صقيلة عكست تحولات وتطلعات الوعي والوجدان الجزائري. من صرخات “القوال” في ساحات القرى البسيطة تحدياً للفرنسة، إلى ملاحم الفرقة الفنية في جبهة التحرير، ووصولاً إلى دماء علولة ومجوبي التي روت خشب المسارح لتظل منارة الفكر حرة طليقة؛ بقي المسرح الجزائري وفياً لرسالته النبيلة: “مسرح ثائر، ملتحم بشعبه، وأمين على هويته الأصيلة”.
إن الحفاظ على هذا الإرث الفني الضخم وتدوينه ونقله للأجيال الصاعدة هو مسؤولية جماعية تشترك فيها المؤسسات الأكاديمية والثقافية والإعلامية على حد سواء.
اكتشف المزيد وتفاعل معنا:
ندعوك لزيارة وتصفح زاوية التوثيق المخصصة للتراث والذاكرة الوطنية عبر قسم التاريخ في أخبار الجزائر لمتابعة المزيد من التقارير الحصرية والدراسات المعمقة حول أمجاد الجزائر وثقافتها العريقة.
شاركنا برأيك في التعليقات: ما هي المسرحية الجزائرية الكلاسيكية التي تركت الأثر الأكبر في نفسك؟ وما هو الدور الذي تراه للمسرح المعاصر في صون الهوية اليوم؟
إذا نال هذا التحقيق الموسع إعجابك، نرجو ألا تتردد في مشاركته مع أصدقائك وزملائك المهتمين بالتاريخ الفني والمسرحي والثقافي للجزائر على منصات التواصل الاجتماعي.
المصادر والمراجع الأكاديمية المعتمدة:
- بشتارزي، محيي الدين (1984). مذكرات محيي الدين بشتارزي: خمسون عاماً في خدمة الفن والركح الجزائري. المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر العاصمة.
- علولة، عبد القادر (1990). تأملات وتجارب حول مسرح الحلقة والشكل الفرجوي الشعبي في الجزائر. منشورات المسرح الجهوي لوهران، الجزائر.
- صالح، أحمد (2002). تاريخ المسرح الجزائري من النشأة إلى نهاية القرن العشرين. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر العاصمة.
- موقع وزارة الثقافة والفنون الجزائرية – دراسات حول التراث اللامادي وتاريخ الفنون الجميلة: الموقع الرسمي لوزارة الثقافة الجزائرية.
- ملفات اليونسكو لحماية التراث اللامادي والأشكال الفرجوية الشعبية في شمال إفريقيا: بوابة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.
