عصر إصلاح الكبد يقترب هل يصبح الزرع أقل ضرورة

لم يعد الكبد يُنظر إليه بوصفه عضواً صامتاً حتى ينهار فجأة، بل كمنظومة حيوية شديدة الدقة يمكن أن تبدأ رحلة المرض فيها بصمت طويل. فالكبد يدير أكثر من 500 وظيفة حيوية، من تصنيع الألبومين وعوامل التجلط إلى تنظيم الدهون والكوليسترول وإنتاج العصارة الصفراوية ودعم المناعة، لذلك فإن أي خلل فيه قد ينعكس على الدماغ والكلى والعضلات والقلب والأوعية.
وتشير الخبرة السريرية إلى أن كثيراً من المرضى لا يكتشفون المشكلة إلا متأخرين، حين يظهر الإرهاق المزمن أو الاصفرار أو انتفاخ البطن أو نزف دوالي المريء. أما اليوم، فطب الكبد الحديث لم يعد ينتظر الأعراض، بل يبحث عن المرض مبكراً لدى من يعانون السمنة أو السكري أو ارتفاع الدهون أو ضغط الدم، أو لدى من لديهم تاريخ مع الفيروسات الكبدية أو تاريخ عائلي لأمراض الكبد.
ومن أكبر التحديات الحالية الكبد الدهني المرتبط بالاضطرابات التمثيلية، الذي بات من أبرز أمراض الكبد في العالم والمنطقة العربية. ويرتبط هذا المرض بزيادة الوزن وتراكم الدهون حول البطن وقلة الحركة والنوم المضطرب والأغذية فائقة التصنيع، لكنه قد يظهر أيضاً لدى أشخاص لا تبدو عليهم السمنة الواضحة. تبدأ القصة بتدهن بسيط، ثم قد تتطور إلى التهاب دهني كبدي أيضي نشط، وبعدها تتشكل الندبة ببطء عندما تُفعَّل الخلايا النجمية الكبدية وتفرز الكولاجين، فينشأ التليف ثم التشمع إذا استمر الأذى.
الرسالة الأهم هنا أن نمط الحياة علاج حقيقي، لا عبارة إنشائية. فخسارة نحو 5% من الوزن قد تقلل دهون الكبد، بينما ترتبط خسارة 7% إلى 10% أو أكثر بتحسن الالتهاب والتليف لدى عدد من المرضى. كما أن النشاط البدني المنتظم يحسن حساسية الأنسولين وقد يخفض دهون الكبد حتى قبل حدوث نقص كبير في الوزن. وتبقى حمية البحر المتوسط من أقوى الأنماط الغذائية المدعومة علمياً، إلى جانب تحسين نوعية الطعام، وتقليل السكريات المصنعة، وتنشيط الميكروبيوم المعوي، والاستفادة من الألياف والأطعمة المتخمرة.
وفي الجانب العلاجي، لم يعد التليف حكماً نهائياً دائماً؛ ففي المراحل المبكرة والمتوسطة قد يتراجع إذا توقف السبب. كما أن الفيبروسكان ومؤشرات الدم المركبة تساعد على تقييم التليف دون اللجوء المتكرر إلى الخزعة. أما في الحالات المتقدمة، فتظل زراعة الكبد العلاج الأكثر رسوخاً، بينما يفتح الطب التجديدي باب الأمل عبر الخلايا الجذعية والبلعميات الذاتية والطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد، لكن هذه التقنيات ما تزال في مراحل بحثية أو سريرية مبكرة، وتحتاج إلى حذر علمي شديد.
الخلاصة أن مستقبل أمراض الكبد يتجه من انتظار الفشل إلى الإصلاح المبكر، ومن الاكتفاء بعلاج المضاعفات إلى محاولة إنقاذ العضو قبل ضياعه. والكبد، رغم صمته، يظل من أكثر الأعضاء استجابة حين نمنحه فرصة مبكرة للحماية والعلاج.




