القانون والإدارة

عقوبات القرصنة الإلكترونية في الجزائر وطرق مكافحتها

هل تعرض حسابك على مواقع التواصل الاجتماعي للاختراق؟ هل تم قرصنة موقعك الإلكتروني أو قاعدة بيانات شركتك؟ أصبحت جرائم القرصنة الإلكترونية واقعاً مقلقاً يهدد الأفراد والمؤسسات في الجزائر على حد سواء، مسببة أضراراً مالية ومعنوية جسيمة. يضع المشرع الجزائري ترسانة قانونية صارمة لمواجهة هذه الآفة، لكن الكثيرين يجهلون الإجراءات الصحيحة للتبليغ والعقوبات المقررة لهذه الأفعال. في هذا المقال، سنقدم دليلاً شاملاً ومفصلاً حول عقوبات القرصنة الإلكترونية في الجزائر وكيفية متابعة مرتكبيها قضائياً خطوة بخطوة.

فهرس المقال إخفاء

السند القانوني لمكافحة القرصنة الإلكترونية في الجزائر

الإطار القانوني الأساسي الذي يحكم الجرائم السيبرانية في الجزائر هو القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 أوت 2009، الذي يتضمن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها. هذا القانون جاء ليعدل ويتمم الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، حيث أضاف فصلاً كاملاً مخصصاً للمساس بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات.

جريمة الدخول غير المشروع إلى نظام معلوماتي (القرصنة)

تعتبر جريمة الدخول أو البقاء غير المصرح به في نظام معلوماتي هي حجر الزاوية في مكافحة القرصنة. تنص المادة 394 مكرر من قانون العقوبات على ما يلي:

“يعاقب بالحبس من ثلاثة (3) أشهر إلى سنة (1) وبغرامة من 50.000 دج إلى 100.000 دج، كل من يدخل أو يبقى عن طريق الغش في كل أو جزء من منظومة للمعالجة الآلية للمعطيات أو يحاول ذلك.”

هذا النص يعاقب على مجرد فعل الدخول غير الشرعي، حتى لو لم يترتب عليه أي ضرر أو تعديل للبيانات. محاولة ارتكاب الفعل يعاقب عليها بنفس عقوبة الفعل التام.

الظروف المشددة للعقوبة

تشتد العقوبة بشكل كبير إذا اقترنت عملية القرصنة بأفعال أخرى أكثر خطورة، وهو ما فصلته نفس المادة. ترتفع العقوبة لتصبح الحبس من ستة (6) أشهر إلى سنتين (2) والغرامة من 100.000 دج إلى 250.000 دج في الحالات التالية:

  • إذا ترتب على الدخول حذف أو تغيير للمعطيات التي تحتوي عليها المنظومة.
  • إذا ترتب على الدخول تغيير أو تخريب في تشغيل المنظومة.

وتصل العقوبة إلى أقصاها، أي الحبس من سنتين (2) إلى خمس (5) سنوات والغرامة من 250.000 دج إلى 500.000 دج، إذا ارتكبت الجريمة من طرف شخص مؤهل بحكم وظيفته (موظف، مسؤول عن النظام، إلخ) استغل صفته لتسهيل ارتكاب الجريمة.

جرائم أخرى متصلة بالقرصنة

لم يكتفِ المشرع بتجريم الدخول غير المشروع، بل وسّع النطاق ليشمل أفعالاً أخرى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقرصنة، ومنها:

  • إعاقة عمل النظام (المادة 394 مكرر 1): تعاقب هذه المادة بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات كل من يعرقل عمداً سير منظومة معالجة آلية للمعطيات أو يحدث فيها خللاً.
  • إدخال أو حذف أو تعديل البيانات (المادة 394 مكرر 1): نفس المادة تعاقب كل من يدخل بيانات في المنظومة أو يحذفها أو يعدلها بطريقة غير مشروعة.
  • تصميم أو حيازة أدوات القرصنة (المادة 394 مكرر 2): يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين كل من يصمم أو يبحث أو يجمع أو يوفر أو ينشر برامج أو أدوات معدة لارتكاب الجرائم المعلوماتية. مجرد حيازة هذه الأدوات بنية استخدامها يعتبر جريمة.

الإجراءات العملية للتبليغ عن جريمة قرصنة إلكترونية

إذا كنت ضحية لعملية قرصنة، فإن اتباع الإجراءات الصحيحة هو الضمانة الوحيدة للوصول إلى حقك. العملية تتطلب الدقة والسرعة.

الخطوة الأولى: الحفاظ على الأدلة الرقمية وتوثيقها

قبل القيام بأي شيء آخر، يجب عليك جمع وحفظ كل دليل ممكن. الأدلة الرقمية هشة ويمكن أن تختفي بسرعة. تشمل هذه الأدلة:

  • لقطات الشاشة (Screenshots): قم بأخذ لقطات شاشة واضحة للموقع المقرصن، أو الرسائل، أو الحساب المخترق، أو أي أثر تركه الفاعل.
  • عناوين URL والروابط: احتفظ بجميع الروابط ذات الصلة.
  • البريد الإلكتروني والرسائل: لا تحذف أي رسائل تهديد، أو ابتزاز، أو رسائل التصيد التي تلقيتها.
  • معلومات تقنية: إذا كنت تملك الخبرة، حاول حفظ سجلات الوصول (Access Logs) لموقعك أو خادمك، والتي قد تحتوي على عنوان IP الخاص بالمقرصن.

الخطوة الثانية: تحرير شكوى رسمية

الخطوة التالية هي تحرير شكوى مفصلة. يمكنك القيام بذلك بنفسك أو الاستعانة بمحامٍ، وهو الخيار الأفضل لضمان صياغة قانونية سليمة. يجب أن تتضمن الشكوى:

  • هويتك الكاملة كضحية (الشاكي).
  • عرضاً مفصلاً ودقيقاً للوقائع (متى وكيف اكتشفت القرصنة، ما هو الضرر الناتج…).
  • ذكر جميع الأدلة التي بحوزتك.
  • توجيه الشكوى ضد مجهول إذا كنت لا تعرف هوية الفاعل، أو ضد شخص معلوم إذا كانت لديك شكوك قوية مدعمة بأدلة أولية.
  • توجيه الشكوى إلى السيد/ وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة إقليمياً (مكان وقوع الضرر أو مكان إقامتك).

الخطوة الثالثة: إيداع الشكوى لدى الجهات المختصة

بعد تجهيز الشكوى والملف، يمكنك إيداعها لدى إحدى الجهات التالية:

  1. مصالح الشرطة القضائية: يمكنك التوجه إلى أقرب مركز شرطة أو فرقة للدرك الوطني، حيث توجد فرق متخصصة في مكافحة الجرائم السيبرانية تتولى التحقيق الأولي.
  2. مكتب وكيل الجمهورية: يمكنك إيداع الشكوى مباشرة لدى أمانة ضبط النيابة بالمحكمة المختصة.

بعد إيداع الشكوى، ستقوم النيابة العامة أو ضباط الشرطة القضائية بفتح تحقيق قضائي لجمع الأدلة والبحث عن الفاعل تمهيداً لإحالته على المحاكمة.

الوثائق المطلوبة (ملف الشكوى)

لجعل شكواك مقبولة وقوية، يجب أن ترفق بها ملفاً كاملاً يحتوي على الوثائق التالية:

  • عريضة الشكوى موقعة من طرفك أو من محاميك.
  • نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو أي وثيقة إثبات هوية رسمية.
  • جميع الأدلة الرقمية المطبوعة (لقطات الشاشة، نصوص الرسائل…) أو المحفوظة على دعامة رقمية (قرص مضغوط CD/DVD، ذاكرة USB).
  • محضر معاينة من محضر قضائي (إذا قمت بهذه الخطوة).
  • أي وثيقة أخرى تثبت الضرر الذي لحق بك (مثلاً فواتير إصلاح النظام المعلوماتي، تقرير خبرة تقنية…).
  • طابع جبائي بقيمة تحددها قوانين المالية السارية.

موقع akhbardz يتابع باستمرار آخر التطورات التشريعية المتعلقة بالرقمنة والعدالة الإلكترونية في الجزائر.

جدول يلخص العقوبات المقررة لجرائم القرصنة الإلكترونية

لتسهيل الفهم، نلخص العقوبات الرئيسية في الجدول التالي وفقاً لقانون العقوبات الجزائري:

الجريمةالسند القانونيالعقوبة الأساسية
الدخول أو البقاء غير المشروع في نظام معلوماتي (قرصنة بسيطة)المادة 394 مكرر / فقرة 1الحبس من 3 أشهر إلى سنة وغرامة من 50.000 إلى 100.000 دج.
الدخول مع حذف أو تعديل البيانات أو تخريب النظامالمادة 394 مكرر / فقرة 2الحبس من 6 أشهر إلى سنتين وغرامة من 100.000 إلى 250.000 دج.
إعاقة عمل النظام أو إحداث خلل فيهالمادة 394 مكرر 1 / فقرة 1الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات وغرامة من 500.000 إلى 2.000.000 دج.
تصميم، حيازة، أو توفير برامج وأدوات القرصنةالمادة 394 مكرر 2الحبس من 6 أشهر إلى سنتين وغرامة من 500.000 إلى 5.000.000 دج.

نصيحة الخبير: سرعة التبليغ وأهمية “محضر المعاينة”

سر مهني: في الجرائم الإلكترونية، عامل الوقت حاسم. الأدلة الرقمية يمكن تدميرها أو إخفاؤها في دقائق. لتثبيت الدليل بقوة قانونية لا تقبل الجدل قبل أن يزول، توجه فور اكتشافك للجريمة إلى أقرب محضر قضائي واطلب منه القيام بـ “محضر معاينة على شبكة الإنترنت”. سيقوم المحضر القضائي بالدخول إلى الرابط أو الحساب المعني وتوثيق حالة القرصنة أو المحتوى غير القانوني في محضر رسمي. هذا المحضر يعتبر حجة قوية جداً أمام المحكمة ويثبت حالة الجريمة في تاريخ وساعة محددين، مما يقطع الطريق على أي محاولة من الجاني لإنكار الفعل أو إزالة آثاره.

تنبيه هام: لا تحاول الانتقام أو التعامل مع المقرصن مباشرة!

خطأ شائع: يقع بعض الضحايا في خطأ محاولة “اختراق المقرصن” انتقاماً أو التفاوض معه مباشرة لدفع فدية (خاصة في حالات فيروسات الفدية Ransomware). هذا تصرف خطير جداً لسببين: أولاً، محاولة الاختراق المضاد هي جريمة في حد ذاتها وقد تعرضك للمتابعة القضائية. ثانياً، التفاوض مع المجرمين يشجعهم ويجعلك هدفاً مستقبلياً لهم ولغيرهم، مع عدم وجود أي ضمان لاستعادة بياناتك. الطريق الوحيد والصحيح هو اللجوء إلى القضاء والجهات الأمنية المختصة.

أسئلة شائعة حول القرصنة الإلكترونية في الجزائر

1. تم اختراق حسابي على فيسبوك واستخدامه في عمليات نصب. ماذا أفعل؟

يجب عليك التصرف بسرعة: أولاً، قم بجمع كل الأدلة الممكنة (لقطات شاشة للمنشورات الاحتيالية، رسائل من أصدقائك يخبرونك بذلك). ثانياً، حاول استرجاع حسابك عبر آليات فيسبوك المخصصة لذلك وقم بتبليغ إدارة الموقع عن الاختراق. ثالثاً، وهو الأهم، توجه فوراً إلى أقرب مركز شرطة أو درك وطني لتقديم شكوى رسمية مرفقة بالأدلة. هذا الإجراء يحميك قانونياً من أي مسؤولية عن الأفعال التي ارتكبها المقرصن باستخدام حسابك.

2. هل استخدام شبكات VPN للوصول إلى مواقع محجوبة يعتبر جريمة؟

القانون الجزائري لا يجرم صراحة استخدام الشبكة الافتراضية الخاصة (VPN) في حد ذاته للاستخدامات العامة كحماية الخصوصية. لكن، يصبح الأمر غير قانوني إذا تم استخدام الـ VPN لغرض ارتكاب جريمة. فإذا استُخدم لإخفاء الهوية أثناء عملية قرصنة، أو للتشهير، أو للوصول إلى محتوى غير قانوني، فإنه يعتبر أداة لتسهيل الجريمة وقد يعتبر ظرفاً مشدداً. العبرة هي بالغاية من الاستخدام وليس بالأداة نفسها.

3. تلقيت بريداً إلكترونياً يطلب مني تحديث بياناتي البنكية عبر رابط مشبوه. هل هذا يعتبر جريمة؟

نعم، هذا الفعل يسمى “التصيد الإلكتروني” أو Phishing وهو شكل من أشكال محاولة النصب والاحتيال المعلوماتي. يندرج هذا الفعل ضمن جرائم محاولة الوصول غير المشروع إلى البيانات (المادة 394 مكرر) وجرائم النصب المنصوص عليها في قانون العقوبات. يمكنك التبليغ عن هذه الرسائل لدى الجهات المختصة حتى لو لم تقع ضحية لها، للمساهمة في تعقب مرتكبيها وحماية الآخرين.

4. ما هو دور الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها؟

هذه الهيئة، المعروفة اختصاراً بـ ONPLCICT، هي هيئة استشارية وتقنية دورها استراتيجي وتنسيقي بالدرجة الأولى. هي لا تتلقى شكاوى الأفراد مباشرة. دورها يكمن في تطوير الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الجرائم السيبرانية، وتنشيط التوعية، وتقديم الخبرة التقنية للجهات القضائية، وتنسيق الجهود بين مختلف القطاعات. الشكوى يجب أن تقدم دائماً للشرطة القضائية أو النيابة العامة.

الخاتمة

إن مواجهة القرصنة الإلكترونية في الجزائر ليست مجرد تحدٍ تقني، بل هي معركة قانونية تتطلب وعياً وإلماماً بالإجراءات الصحيحة. المشرع الجزائري وفر حماية قانونية قوية وعقوبات رادعة، لكن تفعيل هذه الحماية يبقى مسؤولية الضحية عبر التبليغ السريع والمنظم. بتوثيق الأدلة وتقديم شكوى رسمية، لا تساهم فقط في استرجاع حقك، بل تشارك بفعالية في جعل الفضاء السيبراني الجزائري أكثر أمناً للجميع.

تنويه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض الاسترشاد وتبسيط المفاهيم القانونية وفقاً للنصوص السارية وقت النشر. هذه المعلومات لا تغني بأي حال عن استشارة محامٍ مختص أو مراجعة الجهات الرسمية.

المصادر والمراجع

  • الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.
  • القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 أوت 2009، يتضمن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها.
  • البوابة الرسمية لوزارة العدل الجزائرية.
  • الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى