سباق علمي جديد ضد السكري بين الخلايا الجذعية والهلام القابل للزرع

لم يعد داء السكري مجرد مرض مزمن يُدار بالأدوية والالتزام اليومي، بل أصبح تحديا صحيا عالميا يفرض على العلماء البحث عن حلول تتجاوز خفض سكر الدم إلى حماية الخلايا المنتجة للإنسولين نفسها. وتُظهر أحدث البيانات أن حجم الأزمة يتسع بسرعة، مع تزايد أعداد المصابين وتفاقم المضاعفات المرتبطة بالمرض.
فبحسب منظمة الصحة العالمية، ارتفع عدد المصابين بالسكري من نحو 200 مليون شخص عام 1990 إلى 830 مليونا عام 2022. وفي عام 2021، تسبب السكري وأمراض الكلى المرتبطة به في أكثر من مليوني وفاة، كما أسهم ارتفاع مستوى السكر في الدم في نحو 11% من الوفيات المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وتضيف أرقام الاتحاد الدولي للسكري لعام 2025 مزيدا من القلق، إذ تشير إلى وجود 589 مليونا من البالغين بين 20 و79 عاما يعيشون مع السكري، أي ما يعادل 11.1% من هذه الفئة، مع عدم معرفة أكثر من 4 من كل 10 مصابين بإصابتهم.
أمام هذا الواقع، تتجه الأبحاث إلى مسارات أكثر طموحا. ففي جنيف، أعلن باحثون عن تقدم في علاج السكري من النوع الأول عبر هيدروجيل مبتكر يسمى أمنيوجيل، مستخلص من الغشاء الأمنيوسي البشري. هذا الهلام الحيوي صُمم ليكون بيئة حاضنة للخلايا المنتجة للإنسولين بعد زرعها، ويساعدها على تكوين أوعية دموية دقيقة تغذيها. ووفق النتائج المنشورة في مجلة تريندس إن بايوتكنولوجي، حافظت هذه التركيبات على مستويات طبيعية لسكر الدم لدى فئران مصابة بالسكري لمدة وصلت إلى 100 يوم.
وفي اتجاه آخر، سلطت دراسة حديثة الضوء على بروتين بي آي بي الذي ينظم طي البروإنسولين داخل خلايا بيتا. ويأمل العلماء أن يقود فهم هذا المسار إلى علاجات تحمي “مصنع الإنسولين” قبل أن يتدهور، بدل الاكتفاء بالتعامل مع ارتفاع السكر بعد حدوثه.
كما أظهرت دراسة فنلندية واسعة شملت أكثر من 7000 بالغ أن السيماغلوتيد الفموي ارتبط بتحسن التحكم بالسكر، وانخفاض الوزن، وتحسن بعض مؤشرات الدهون ووظائف الكبد في الممارسة اليومية. وفي المقابل، كشفت دراسة أخرى من مختبر جاكسون عن جينات غير متوقعة قد تسهم في خلل خلايا بيتا، بعد تحليل نحو 246 ألف خلية بنكرياسية من 48 متبرعا.
أما الخلايا الجذعية، فتظل من أكثر المجالات إثارة للأمل، إذ أظهرت دراسات عرضت في يونيو 2025 نتائج مشجعة لدى بعض المصابين بالسكري من النوع الأول، بينها الاستغناء عن الإنسولين الخارجي لدى 10 من أصل 12 مشاركا تلقوا الجرعة الكاملة في إحدى التجارب. ومع ذلك، يبقى الطريق طويلا قبل الانتقال من الوعد العلمي إلى العلاج الواسع، لأن الأمان طويل الأمد، وحماية الخلايا المزروعة من المناعة، وتوسيع نطاق التطبيق ما زالت تحديات قائمة.
الخلاصة أن أبحاث السكري تدخل مرحلة جديدة، لا تقتصر على ضبط الأرقام في أجهزة القياس، بل تمتد إلى الجينات والبروتينات والخلايا الجذعية والمواد الحيوية. وبينما لا يزال العلاج الشافي بعيدا، فإن هذا السباق العلمي قد يفتح الباب أمام مستقبل أكثر دقة وأملا لمرضى السكري حول العالم. المصدر: منظمة الصحة العالمية، الاتحاد الدولي للسكري، Trends in Biotechnology، Diabetes, Obesity and Metabolism، Proceedings of the National Academy of Sciences، The EMBO Journal




