الصحة

اختبارات عدم تحمل الطعام بين الدليل العلمي والتسويق

تزداد شعبية اختبارات عدم تحمل الطعام التي تعد المستخدمين بكشف الأطعمة المسببة للانتفاخ والصداع والتعب واضطراب الهضم عبر عينة دم واحدة وتقرير ملوّن. لكن الجاذبية التسويقية لا تعني بالضرورة دقة علمية، فالسؤال الأهم ليس ماذا يقيس الاختبار، بل هل يثبت فعلاً أن طعاماً معيناً يسبب الأعراض؟

تعتمد هذه الاختبارات غالباً على قياس الأجسام المضادة، وهي بروتينات يصنعها جهاز المناعة للتعامل مع مواد مختلفة. غير أن وجود جسم مضاد مثل IgG أو IgG4 تجاه طعام ما لا يثبت وحده وجود حساسية غذائية أو عدم تحمّل، لأن الجسم قد ينتج هذه الأجسام المضادة نتيجة التعرض المتكرر للطعام أو حتى في سياقات مناعية طبيعية. وهنا يظهر الخلط الشائع بين الحساسية وعدم التحمل والسيلياك والقولون العصبي، وهي حالات مختلفة تماماً في السبب والتشخيص.

في الحساسية الغذائية الفورية، قد يتوسط التفاعل غالباً IgE وتظهر أعراض مثل الشرى وتورم الشفتين وصعوبة التنفس. أما عدم التحمل، فقد يرتبط بضعف هضم مكوّن معين، مثل نقص إنزيم اللاكتاز في حالة اللاكتوز. لذلك فإن اختبارات IgG التجارية التي تمسح عشرات أو مئات الأطعمة لا تملك، وفق جمعيات علمية متخصصة، دليلاً كافياً لتشخيص حساسية الطعام أو عدم تحمله.

ورغم ذلك، يشعر بعض الأشخاص بتحسن بعد حذف الأطعمة التي صنّفها التقرير بأنها عالية التفاعل. لكن هذا التحسن لا يثبت أن الاختبار كان صحيحاً؛ فقد يكون الشخص قد خفّض في الوقت نفسه الأطعمة فائقة التصنيع أو الكميات الكبيرة أو بعض الكربوهيدرات القابلة للتخمر التي تزعج مرضى القولون العصبي. كما أن الأعراض قد تتحسن أو تتقلب مع الوقت بطبيعتها.

حتى الدراسات الأحدث لا تمنح هذه الاختبارات تفويضاً عاماً. فقد نُشرت في عام 2025 تجربة عشوائية مزدوجة التعمية على 238 بالغاً مصابين بالقولون العصبي، وأظهرت تحسناً في ألم البطن لدى 59.6% من المجموعة الموجهة بالاختبار مقابل 42.1% في المجموعة الضابطة. لكن هذه نتيجة تخص أداة محددة وفئة محددة، ولا تعني أن كل اختبار تجاري قائم على IgG صالح للتشخيص. كما أشارت مراجعة منهجية عام 2026 شملت 13 دراسة و935 شخصاً إلى وجود تحسن محتمل في بعض الأعراض، مع تفاوت كبير ومخاطر انحياز وحاجة واضحة إلى تجارب أفضل.

الخلاصة أن عدم تحمّل بعض الأطعمة حقيقة طبية، لكن الطريق الآمن يبدأ من تقييم سريري دقيق، وفحوص موجهة، وتجربة حذف وإعادة إدخال منظمة، لا من قائمة محظورات جاهزة قد تضر أكثر مما تنفع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى