جني التمور ببسكرة بين تقاليد الماضي وتحديات العصر الحديث

تعتبر بسكرة من أبرز المناطق الزراعية في الجزائر، حيث تمتد بساتين النخيل وتزدهر فيها عراجين “دقلة نور”، ويمثل موسم جني التمور مناسبة ينتظرها الجميع بشغف، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء من أجل الاحتفال بجني الثمار ومشاركة اللحظات الجميلة.
ومع تزايد الضغوط الاجتماعية والتغيرات في نمط الحياة، بدأت مظاهر هذا الموسم تتغير، فبعد أن كان التبرز الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من تقاليد الجني، أصبح النشاط يعتمد بشكل متزايد على العمال المأجورين. ونتيجة لذلك، فقد تراجع الحضور الجماعي للعائلة والجيران، وبدأت الروح الاجتماعية التي كانت سائدة في الماضي تختفي شيئاً فشيئاً.
السيد عبد الغني، أحد المزارعين في منطقة طولقة، يسترجع بذكاء ذكرياته عن تلك الأيام الخوالي، حيث كانت التحضيرات للجني تبدأ داخل البيت قبل أيام. تتضافر جهود الرجال والنساء لإعداد ما يكفي من المأكولات والمشروبات، ليكونوا جاهزين لاستقبال الضيوف في البستان. هذا الجهد الجماعي كان يُعبر عن روح العائلة والتشارك، حيث كان الجميع يعتبر نفسه شريكاً في فرحة الموسم.
العمل في بساتين التمور لم يكن مقصوراً على الجني فقط، بل كان يرافقه أهازيج وأغانٍ تقليدية ترفع من الروح المعنوية وتخفف التعب. فعندما يجتمع الجميع تحت ظلال النخيل، تتحول الساعات الطويلة من العمل إلى لحظات من الإبداع والتعاون. لكن اليوم، وبسبب انشغال الشباب بالهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، أكد الفلاح كامل بوستة أن هذه المشاركة قد فقدت الكثير من نكهتها، حيث أصبح بعضهم يفضل التقاط الصور بدلاً من الانغماس الحقيقي في العمل.
في ضوء هذه التغيرات، يرى البعض أن العودة إلى قيم الماضي أمر ضروري للحفاظ على روح مناسبات الجني، حيث يمكن أن تساعد التكنولوجيا في تحسين الكفاءة، لكنها لا ينبغي أن تخل بالتقاليد العريقة. قد تتنوع الأدوات، لكن يبقى من الضروري خلق بيئة تؤكد على أهمية التعاون والترابط العائلي. إن النخلة، التي لطالما كانت رمزاً للصمود والخصوبة، لا تمنحنا فقط ثماراً بل تحمل في طياتها قصصًا وذكريات تعكس تراثنا وتقاليدنا. ومع ذلك، تبقى إمكانية إعادة إحياء تلك الأجواء النابضة تفاؤلاً بأن القادم قد يكون أفضل.




