في أعالي الأوراس، تواصل لقاءات الأعراش لدى الشاوية بولاية خنشلة أداء دور اجتماعي بارز، باعتبارها إحدى أبرز الآليات العرفية التي ساهمت عبر عقود في الحفاظ على التماسك والاستقرار داخل المجتمع المحلي. ورغم التحولات التي عرفتها الجزائر، ما تزال هذه المجالس تحافظ على حضورها وهيبتها، خاصة في المناسبات العائلية والاجتماعية.
وتُعد لقاءات الأعراش أكثر من مجرد تجمعات لأعيان القبائل، فهي مجالس للحوار والتوفيق بين الأطراف المتخاصمة، يجلس فيها الشيوخ ووجهاء العروش وأصحاب الحكمة للاستماع إلى النزاعات ومحاولة حلها بروح التوافق. وفي كثير من الحالات، كانت هذه اللقاءات الملاذ الأول لعائلات فرقتها الخلافات، قبل أن تتفاقم الأمور وتصل إلى المحاكم.
ويؤكد الحاج لخضر ولجاني من مدينة المحمل أن العرش كان ولا يزال وسيلة فعالة لجبر الخواطر وإصلاح ذات البين، سواء في الخلافات الزوجية أو النزاعات العائلية. ويضيف أن الكلمة الطيبة والاحتكام إلى العقل كانا كفيلين في عديد المرات بإعادة السكينة إلى بيوت كادت تنهار بسبب سوء تفاهم.
كما برز دور لقاءات الأعراش في خنشلة عند معالجة خلافات تتعلق بالميراث، والأراضي الفلاحية، والحدود العقارية، وحقوق المرور، واستغلال المياه، فضلا عن شجارات الشباب والمشاكل التي قد تنشأ بين الجيران أو بين عائلات متجاورة. وفي الأعراس، حيث يلتقي عدد كبير من أبناء المنطقة، يستغل الوجهاء المناسبة لفتح ملفات عالقة وإيجاد حلول تحفظ كرامة الجميع.
ولا يقتصر هذا الدور على الصلح فقط، بل يمتد إلى التضامن الاجتماعي ومساعدة المحتاجين وجمع التبرعات للمرضى والمتضررين، إضافة إلى تشجيع الشباب على مواصلة الدراسة ونبذ العنف والمخدرات والجريمة. كما تعمل هذه المجالس على إعادة صلة الرحم بين الإخوة والأقارب بعد سنوات من القطيعة.
ورغم تطور مؤسسات الدولة والقضاء، تبقى لقاءات الأعراش في خنشلة تحظى باحترام واسع، لأنها تكمل مسار الإصلاح الودي وتخفف من حدة الخلافات قبل تصعيدها. وهو موروث اجتماعي وثقافي يؤكد أن الحوار والحكمة ما زالا من أقصر الطرق إلى المصالحة والوئام.

