المكيفات والسمنة والمدن الخرسانية كيف فقدنا قدرتنا على تحمل الحر

في عالم يزداد سخونة عاماً بعد عام، لم تعد موجات الحر الشديد مجرد ظاهرة موسمية، بل أصبحت تحدياً صحياً يهدد الحياة حتى في الدول المتقدمة. وفي أوروبا، تجاوزت درجات الحرارة المعدل الطبيعي بمقدار 16 درجة مئوية في باريس، و14 درجة في لندن، و7 درجات في برشلونة، وفق تتبع وحدة الرصد في شبكة الجزيرة. وبين عامي 2000 و2019، بلغ متوسط الزيادة السنوية في الوفيات الناجمة عن موجات الحر نحو نصف مليون شخص كل عام.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا يبدو الإنسان اليوم أقل قدرة على تحمّل الحر مما كان عليه في الماضي؟ تشير المعطيات إلى أن الإجابة ليست عاملاً واحداً، بل مزيج من التغير المناخي، والتكييف المستمر، والسمنة، والتوسع العمراني الخرساني، إلى جانب انتشار الأمراض المزمنة.
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ترتفع الحرارة إلى مستويات قياسية، إذ تجاوزت في بعض دول الخليج مثل الكويت وقطر 49 درجة مئوية، ولامست 52 درجة مئوية في السعودية خلال صيف 2024 أثناء موسم الحج، ما تسبب بوفاة 1300 حاج. ومع ارتفاع الحرارة المحسوسة منذ سبعينيات القرن العشرين، باتت الموجات الحارة أطول وأكثر إنهاكاً للجسم، خاصة عندما تستمر الحرارة ليلاً ونهاراً.
توضح دراسات حديثة أن الإنسان قد يفقد جزءاً من قدرته على التأقلم إذا قضى معظم وقته داخل أماكن مكيفة، رغم أن الجسم يكتسب عادةً قدراً من التكيف مع الحرارة إذا تعرض لها يومياً لمدة لا تقل عن ساعتين. كما أن الاعتياد الجسدي والنفسي على البرودة داخل البيئات المغلقة قد يجعل تحمل الأجواء الخارجية أكثر صعوبة.
وتلعب السمنة دوراً إضافياً في زيادة الإجهاد الحراري، إذ تقل قدرة الجسم على تبديد الحرارة، وقد ترتفع درجة الحرارة الداخلية سريعاً. أما المدن الخرسانية، فتعزز ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، لأن الأسفلت والأسمنت يمتصان الحرارة نهاراً ثم يعيدان إطلاقها ليلاً.
وتظهر الأمراض المزمنة بوصفها عامل خطر واضحاً؛ فقد ارتفعت دخول المستشفى أثناء موجات الحر بنسبة 23% لمرضى القلب، و30% لمرضى السكري، و52% لمرضى الكلى والجهاز البولي. وبينما تتوسع موجات الحر عالمياً، تظل الرسالة الأهم هي أن الوقاية لم تعد ترفاً، بل ضرورة صحية تتطلب تخطيطاً عمرانيًا أفضل، وحماية للفئات الأكثر هشاشة، وتوازناً أكبر بين الراحة الداخلية والقدرة الطبيعية على التكيف مع الحرارة.




